بين مكافحة الغشّ ومتطلبات الحياة الرقمية: هل يدفع المواطن ثمن الحرب على االكيتب ؟
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
تعيش تونس مع كل دورة لامتحانات الباكالوريا على وقع استنفار أمني ولوجستي كبير يهدف إلى حماية أحد أهم الاستحقاقات الوطنية من محاولات الغش والتلاعب. ومع تطور وسائل الاتصال الحديثة وانتشار ما يعرف في الأوساط التربوية بـاالكيتب، وهو منظومة غش إلكتروني تعتمد على الهواتف الذكية والسماعات الدقيقة والتطبيقات المشفرة، أصبحت السلطات تلجأ إلى إجراءات استثنائية للحد من تسريب المواضيع والتواصل بين شبكات الغش.
ومنذ اختبارات يوم الجمعة المنقضي، الموافق لثالث أيام امتحانات الباكالوريا، لاحظ عدد من المواطنين في عدة جهات تونسية اضطراباً في خدمات الإنترنات والاتصالات الرقمية، حيث تعذر استخدام تطبيقات التراسل الفوري مثل اواتسابب واميسنجرب واتيليغرامب، في حين اقتصرت خدمات الاتصال على المكالمات الهاتفية التقليدية.
هذا الوضع خلق حالة من التذمر لدى العديد من المواطنين والمؤسسات التي أصبحت تعتمد بشكل شبه كلي على الإنترنات في إدارة أعمالها اليومية، خاصة مع التحول الرقمي الذي تعرفه البلاد في السنوات الأخيرة.
ففي الإدارات العمومية، تعطلت بعض الخدمات الإلكترونية التي تستوجب تبادل الوثائق أو المعطيات عبر التطبيقات الرقمية، كما واجه عدد من الموظفين والمواطنين صعوبات في إنجاز معاملاتهم المعتادة. ولم يقتصر الأمر على القطاع الإداري، بل شمل أيضاً الأنشطة التجارية والخدماتية التي أصبحت تعتمد على التواصل الفوري مع الحرفاء والمزودين.
وفي عدد من المقاهي والفضاءات التجارية، لجأ أصحاب المؤسسات إلى البحث عن حلول بديلة لضمان استمرارية الخدمة، من خلال تعزيز وسائل الربط بالإنترنات أو توفير شبكات إضافية للحرفاء، خاصة أن الكثير من الزبائن أصبحوا يختارون أماكن جلوسهم بناءً على جودة الاتصال بالشبكة أكثر من أي عامل آخر.
هذه الإجراءات، رغم ما تسببه من إرباك، تأتي في إطار معركة مفتوحة ضد شبكات الغش الإلكتروني التي تطورت أساليبها بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة. فهذه الشبكات لم تعد تعتمد على الوسائل التقليدية، بل أصبحت تستخدم تطبيقات مشفرة وتقنيات اتصال متطورة يصعب أحياناً رصدها أو تعقبها.
في المقابل، يطرح مختصون في مجال الاتصال والتكنولوجيا تساؤلات حول إمكانية إيجاد حلول تقنية أكثر دقة تستهدف شبكات الغش دون أن تؤثر بشكل واسع على الحياة اليومية للمواطنين أو على سير المرافق الاقتصادية والإدارية. فالمجتمع التونسي يشهد تحولاً رقمياً متسارعاً، وأصبحت قطاعات عديدة مرتبطة بالإنترنات في مختلف تفاصيل نشاطها.
كما يرى البعض أن نجاح أي سياسة لمكافحة الغش لا يرتبط فقط بالإجراءات التقنية والأمنية، بل يتطلب أيضاً عملاً تربوياً وتوعوياً متواصلاً يرسخ قيم النزاهة وتكافؤ الفرص لدى التلاميذ، إلى جانب تطوير منظومة الامتحانات وأساليب المراقبة بما يواكب التطور التكنولوجي.
من جهتهم، يتفهم عدد من الأولياء والتلاميذ هذه الإجراءات باعتبارها تهدف إلى حماية مصداقية شهادة الباكالوريا وضمان المساواة بين جميع المترشحين، إلا أنهم يأملون في أن تتم مستقبلاً بأقل قدر ممكن من التأثير على حياة المواطنين وخدماتهم اليومية.
وتبقى الباكالوريا في تونس أكثر من مجرد امتحان مدرسي، فهي حدث وطني تتقاطع فيه الاعتبارات التربوية والأمنية والتقنية والاقتصادية. وبين ضرورة التصدي لآفة الغش الإلكتروني وحق المواطنين في النفاذ الطبيعي إلى الخدمات الرقمية، يظل التحدي الحقيقي هو البحث عن معادلة تضمن نزاهة الامتحان دون أن تتحول ساعات إجرائه إلى حالة من الشلل الرقمي المؤقت.
ففي زمن أصبحت فيه الاتصالات والإنترنات جزءاً من تفاصيل الحياة والعمل والإدارة، لم يعد السؤال المطروح هو كيف نحارب الغش فقط، بل كيف نحاربه بوسائل ذكية تحمي الامتحان وتحافظ في الوقت ذاته على نسق الحياة الرقمية للمجتمع.
حلول جديدة لأزمة السكن: الكراء المملّك…باب أمل أمام آلاف الباحثين عن منزل
الصحافة اليوم : مصباح الجدي في بلد أصبح فيه امتلاك منزل حلما مؤجلا…
