2026-06-09

بين‭ ‬مكافحة‭ ‬الغشّ‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الحياة‭ ‬الرقمية‭:‬ هل‭ ‬يدفع‭ ‬المواطن‭ ‬ثمن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬االكيتب‭ ‬؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي

تعيش‭ ‬تونس‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬لامتحانات‭ ‬الباكالوريا‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬استنفار‭ ‬أمني‭ ‬ولوجستي‭ ‬كبير‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الغش‭ ‬والتلاعب‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة‭ ‬وانتشار‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬التربوية‭ ‬بـاالكيتب،‭ ‬وهو‭ ‬منظومة‭ ‬غش‭ ‬إلكتروني‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬والسماعات‭ ‬الدقيقة‭ ‬والتطبيقات‭ ‬المشفرة،‭ ‬أصبحت‭ ‬السلطات‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬استثنائية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬تسريب‭ ‬المواضيع‭ ‬والتواصل‭ ‬بين‭ ‬شبكات‭ ‬الغش‭.‬

ومنذ‭ ‬اختبارات‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬المنقضي،‭ ‬الموافق‭ ‬لثالث‭ ‬أيام‭ ‬امتحانات‭ ‬الباكالوريا،‭ ‬لاحظ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬جهات‭ ‬تونسية‭ ‬اضطراباً‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬الإنترنات‭ ‬والاتصالات‭ ‬الرقمية،‭ ‬حيث‭ ‬تعذر‭ ‬استخدام‭ ‬تطبيقات‭ ‬التراسل‭ ‬الفوري‭ ‬مثل‭ ‬اواتسابب‭ ‬واميسنجرب‭ ‬واتيليغرامب،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬اقتصرت‭ ‬خدمات‭ ‬الاتصال‭ ‬على‭ ‬المكالمات‭ ‬الهاتفية‭ ‬التقليدية‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التذمر‭ ‬لدى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كلي‭ ‬على‭ ‬الإنترنات‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أعمالها‭ ‬اليومية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

ففي‭ ‬الإدارات‭ ‬العمومية،‭ ‬تعطلت‭ ‬بعض‭ ‬الخدمات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬التي‭ ‬تستوجب‭ ‬تبادل‭ ‬الوثائق‭ ‬أو‭ ‬المعطيات‭ ‬عبر‭ ‬التطبيقات‭ ‬الرقمية،‭ ‬كما‭ ‬واجه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬والمواطنين‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬معاملاتهم‭ ‬المعتادة‭. ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الإداري،‭ ‬بل‭ ‬شمل‭ ‬أيضاً‭ ‬الأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬والخدماتية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬الفوري‭ ‬مع‭ ‬الحرفاء‭ ‬والمزودين‭.‬

وفي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المقاهي‭ ‬والفضاءات‭ ‬التجارية،‭ ‬لجأ‭ ‬أصحاب‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬بديلة‭ ‬لضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الخدمة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬وسائل‭ ‬الربط‭ ‬بالإنترنات‭ ‬أو‭ ‬توفير‭ ‬شبكات‭ ‬إضافية‭ ‬للحرفاء،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الزبائن‭ ‬أصبحوا‭ ‬يختارون‭ ‬أماكن‭ ‬جلوسهم‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الاتصال‭ ‬بالشبكة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عامل‭ ‬آخر‭.‬

هذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬إرباك،‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬معركة‭ ‬مفتوحة‭ ‬ضد‭ ‬شبكات‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬التي‭ ‬تطورت‭ ‬أساليبها‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬فهذه‭ ‬الشبكات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الوسائل‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تستخدم‭ ‬تطبيقات‭ ‬مشفرة‭ ‬وتقنيات‭ ‬اتصال‭ ‬متطورة‭ ‬يصعب‭ ‬أحياناً‭ ‬رصدها‭ ‬أو‭ ‬تعقبها‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يطرح‭ ‬مختصون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاتصال‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭  ‬إمكانية‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬تقنية‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬تستهدف‭ ‬شبكات‭ ‬الغش‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬المرافق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإدارية‭. ‬فالمجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬يشهد‭ ‬تحولاً‭ ‬رقمياً‭ ‬متسارعاً،‭ ‬وأصبحت‭ ‬قطاعات‭ ‬عديدة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالإنترنات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬تفاصيل‭ ‬نشاطها‭.‬

كما‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬سياسة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الغش‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالإجراءات‭ ‬التقنية‭ ‬والأمنية،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬أيضاً‭ ‬عملاً‭ ‬تربوياً‭ ‬وتوعوياً‭ ‬متواصلاً‭ ‬يرسخ‭ ‬قيم‭ ‬النزاهة‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬لدى‭ ‬التلاميذ،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬الامتحانات‭ ‬وأساليب‭ ‬المراقبة‭ ‬بما‭ ‬يواكب‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭.‬

من‭ ‬جهتهم،‭ ‬يتفهم‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأولياء‭ ‬والتلاميذ‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬باعتبارها‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬مصداقية‭ ‬شهادة‭ ‬الباكالوريا‭ ‬وضمان‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬المترشحين،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬يأملون‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬مستقبلاً‭ ‬بأقل‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬وخدماتهم‭ ‬اليومية‭.‬

وتبقى‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬امتحان‭ ‬مدرسي،‭ ‬فهي‭ ‬حدث‭ ‬وطني‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التربوية‭ ‬والأمنية‭ ‬والتقنية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬وبين‭ ‬ضرورة‭ ‬التصدي‭ ‬لآفة‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وحق‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬النفاذ‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية،‭ ‬يظل‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬معادلة‭ ‬تضمن‭ ‬نزاهة‭ ‬الامتحان‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬ساعات‭ ‬إجرائه‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الشلل‭ ‬الرقمي‭ ‬المؤقت‭.‬

ففي‭ ‬زمن‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الاتصالات‭ ‬والإنترنات‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬والعمل‭ ‬والإدارة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬هو‭ ‬كيف‭ ‬نحارب‭ ‬الغش‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬نحاربه‭ ‬بوسائل‭ ‬ذكية‭ ‬تحمي‭ ‬الامتحان‭ ‬وتحافظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬نسق‭ ‬الحياة‭ ‬الرقمية‭ ‬للمجتمع‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حلول‭ ‬جديدة‭ ‬لأزمة‭ ‬السكن‭:‬ الكراء‭ ‬المملّك‭…‬باب‭ ‬أمل‭ ‬أمام‭ ‬آلاف‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬منزل

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ في‭ ‬بلد‭ ‬أصبح‭ ‬فيه‭ ‬امتلاك‭ ‬منزل‭ ‬حلما‭ ‬مؤجلا‭…