تونس والصين: حين تلتقي الفرصة بالسوق الكبرى
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
في عالم يعاد فيه رسم خرائط الاقتصاد والتجارة بوتيرة متسارعة، لم يعد نجاح الدول يقاس فقط بما تنتجه، بل أيضا بقدرتها على الوصول إلى الأسواق الكبرى ونسج شراكات ذكية تفتح أمامها أبواب النمو والاستثمار. ومن هذا المنطلق تكتسي الزيارة التي أداها وفد عن المجلس الصيني لتعزيز التجارة الدولية بمقاطعة هونان إلى تونس، وما تمخض عنها من توقيع مذكرة تفاهم مع مركز النهوض بالصادرات، أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي لتندرج ضمن رؤية أوسع تسعى من خلالها تونس إلى تنويع شركائها الاقتصاديين وتوسيع حضورها في الأسواق العالمية.
فالحديث عن الصين ليس حديثا عن سوق عادية أو شريك تجاري تقليدي. نحن أمام ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأمام دولة تحولت خلال العقود الأخيرة إلى مصنع الكوكب ومحرك رئيسي للتجارة الدولية والاستثمار والتكنولوجيا. كما نتحدث عن سوق تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون مستهلك، وهي أرقام تجعل من مجرد النفاذ إلى جزء محدود من هذه السوق مكسبا اقتصاديا كبيرا لأي دولة.
ومن هنا تبدو أهمية الظرف الحالي الذي يتزامن مع قرار الحكومة الصينية إلغاء الرسوم الجمركية لمدة سنتين على المنتجات المورّدة من عدد من الدول الإفريقية، من بينها تونس. فهذا القرار لا يمثل مجرد امتياز تجاري عابر، بل يفتح نافذة استراتيجية ينبغي استغلالها بأقصى درجات النجاعة والسرعة.
لقد ظلت تونس لعقود طويلة تعتمد في صادراتها على أسواق تقليدية، وخاصة السوق الأوروبية. ورغم أهمية هذه الأسواق وقربها الجغرافي، فإن الاعتماد المفرط على وجهة واحدة أو عدد محدود من الوجهات يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات والأزمات التي قد تصيب تلك الأسواق. ولذلك فإن تنويع الشركاء والبحث عن منافذ جديدة أصبح ضرورة اقتصادية أكثر منه خيارا سياسيا.
وفي هذا السياق، تمثل الصين فرصة استثنائية. فعدا حجمها الهائل، تشهد الطبقات الوسطى فيها توسعا متواصلا، وهو ما يرفع الطلب على المنتجات الغذائية ذات الجودة العالية والمنتجات الصحية والبيولوجية والمنتجات المتوسطية التي يمكن أن تجد فيها الصادرات التونسية مكانا متميزا.
وتملك تونس بالفعل عددا من المنتجات القادرة على المنافسة في السوق الصينية، على غرار زيت الزيتون والتمور والمنتجات البيولوجية والصناعات الغذائية وبعض الصناعات الميكانيكية والكهربائية والخدمات الرقمية. غير أن النجاح في هذا المجال لا يتحقق بمجرد فتح الأسواق، بل يحتاج إلى رؤية تسويقية متكاملة، وإلى فهم خصوصيات المستهلك الصيني ومتطلبات التوزيع والترويج والعلامات التجارية.
وتبرز هنا أهمية مذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين مركز النهوض بالصادرات والمجلس الصيني لتعزيز التجارة الدولية بمقاطعة هونان. فالقيمة الحقيقية لمثل هذه الاتفاقيات لا تكمن في النصوص وحدها، بل في ما توفره من قنوات مؤسساتية للتواصل وتبادل المعلومات وتنظيم اللقاءات المهنية والبعثات الاقتصادية وربط العلاقات المباشرة بين رجال الأعمال والمؤسسات.
كما أن اختيار مقاطعة هونان بالذات ليس أمرا عرضيا. فهذه المقاطعة التي يتجاوز عدد سكانها خمسة وستين مليون نسمة تمثل قطبا اقتصاديا وصناعيا مهما داخل الصين. وبعض المقاطعات الصينية الكبرى تعادل اقتصاديا دولا بأكملها من حيث حجم الإنتاج والاستثمار والاستهلاك. لذلك فإن بناء جسور التعاون معها يفتح أمام المؤسسات التونسية فرصا قد لا تتوفر في أسواق أخرى.
غير أن التعاون مع الصين لا ينبغي أن يقتصر على التبادل التجاري فقط. فالصين أصبحت اليوم من أبرز القوى العالمية في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعة الحديثة. وهي قطاعات تحتاجها تونس في إطار جهودها لتحقيق التحول الاقتصادي ورفع تنافسية مؤسساتها.
ومن هذا المنطلق يمكن أن تتحول العلاقات التونسية الصينية إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الاستثمار ونقل التكنولوجيا والتكوين والتصنيع المشترك والتعاون اللوجستي، بما يخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل جديدة للكفاءات التونسية.
كما أن أهمية هذا الانفتاح تتضاعف في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم. فالتوترات الدولية، واضطراب سلاسل التوريد، وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، كلها عوامل تدفع الدول المتوسطة والصغيرة إلى تنويع شراكاتها وتوسيع هامش حركتها الاقتصادية والدبلوماسية.
ولذلك فإن تونس مطالبة اليوم بأن تتعامل مع هذه الفرصة بعقلية إستراتيجية بعيدة المدى. فإلغاء الرسوم الجمركية لمدة محددة زمنيا لن يكون ذا جدوى إذا لم ترافقه خطط عملية لتأهيل المؤسسات المصدّرة وتحسين الجودة وتطوير منظومات الترويج واللوجستيك والتسويق الدولي.
إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في تصدير المزيد من السلع فقط، بل في بناء حضور دائم ومستدام للمنتج التونسي داخل واحدة من أكبر الأسواق العالمية. فكل عقد تصدير جديد، وكل شراكة اقتصادية ناجحة، وكل استثمار إضافي، لا يمثل مكسبا لمؤسسة بعينها فحسب، بل خطوة جديدة في مسار تعزيز النمو ودعم احتياطي البلاد من العملة الصعبة وتحسين قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات.
وبهذا المعنى، فإن التعاون التونسي الصيني ليس مجرد عنوان دبلوماسي أو لقاء اقتصادي عابر، بل هو أحد المسارات الواعدة التي يمكن أن تمنح تونس فرصا جديدة للنمو والانفتاح، إذا أحسنت استثمارها وتحويلها من إمكانيات نظرية إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
حين تتحوّل تونس إلى بوّابة إفريقيا: منتدى االزليكافب ورهان التّموقع..
الصحافة اليوم: عادل البرينصي تحتضن تونس غدا فعاليات الدورة الأولى لمنت…

