2026-06-11

تونس‭ ‬والصين‭: ‬ حين‭ ‬تلتقي‭ ‬الفرصة‭ ‬بالسوق‭ ‬الكبرى

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عادل‭ ‬البرينصي

في‭ ‬عالم‭ ‬يعاد‭ ‬فيه‭ ‬رسم‭ ‬خرائط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتجارة‭ ‬بوتيرة‭ ‬متسارعة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬نجاح‭ ‬الدول‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تنتجه،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الكبرى‭ ‬ونسج‭ ‬شراكات‭ ‬ذكية‭ ‬تفتح‭ ‬أمامها‭ ‬أبواب‭ ‬النمو‭ ‬والاستثمار‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬تكتسي‭ ‬الزيارة‭ ‬التي‭ ‬أداها‭ ‬وفد‭ ‬عن‭ ‬المجلس‭ ‬الصيني‭ ‬لتعزيز‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬بمقاطعة‭ ‬هونان‭ ‬إلى‭ ‬تونس،‭ ‬وما‭ ‬تمخض‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬توقيع‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬مع‭ ‬مركز‭ ‬النهوض‭ ‬بالصادرات،‭ ‬أهمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬بعدها‭ ‬البروتوكولي‭ ‬لتندرج‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬أوسع‭ ‬تسعى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬شركائها‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬وتوسيع‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

فالحديث‭ ‬عن‭ ‬الصين‭ ‬ليس‭ ‬حديثا‭ ‬عن‭ ‬سوق‭ ‬عادية‭ ‬أو‭ ‬شريك‭ ‬تجاري‭ ‬تقليدي‭. ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وأمام‭ ‬دولة‭ ‬تحولت‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬مصنع‭ ‬الكوكب‭ ‬ومحرك‭ ‬رئيسي‭ ‬للتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬كما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬سوق‭ ‬تضم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬وأربعمائة‭ ‬مليون‭ ‬مستهلك،‭ ‬وهي‭ ‬أرقام‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السوق‭ ‬مكسبا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬كبيرا‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبدو‭ ‬أهمية‭ ‬الظرف‭ ‬الحالي‭ ‬الذي‭ ‬يتزامن‭ ‬مع‭ ‬قرار‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬إلغاء‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬لمدة‭ ‬سنتين‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬المورّدة‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تونس‭. ‬فهذا‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬امتياز‭ ‬تجاري‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬يفتح‭ ‬نافذة‭ ‬استراتيجية‭ ‬ينبغي‭ ‬استغلالها‭ ‬بأقصى‭ ‬درجات‭ ‬النجاعة‭ ‬والسرعة‭.‬

لقد‭ ‬ظلت‭ ‬تونس‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬صادراتها‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬تقليدية،‭ ‬وخاصة‭ ‬السوق‭ ‬الأوروبية‭. ‬ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬وقربها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬فإن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬وجهة‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الوجهات‭ ‬يجعل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عرضة‭ ‬للتقلبات‭ ‬والأزمات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تصيب‭ ‬تلك‭ ‬الأسواق‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬تنويع‭ ‬الشركاء‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬منافذ‭ ‬جديدة‭ ‬أصبح‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬خيارا‭ ‬سياسيا‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تمثل‭ ‬الصين‭ ‬فرصة‭ ‬استثنائية‭. ‬فعدا‭ ‬حجمها‭ ‬الهائل،‭ ‬تشهد‭ ‬الطبقات‭ ‬الوسطى‭ ‬فيها‭ ‬توسعا‭ ‬متواصلا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬الغذائية‭ ‬ذات‭ ‬الجودة‭ ‬العالية‭ ‬والمنتجات‭ ‬الصحية‭ ‬والبيولوجية‭ ‬والمنتجات‭ ‬المتوسطية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬فيها‭ ‬الصادرات‭ ‬التونسية‭ ‬مكانا‭ ‬متميزا‭.‬

وتملك‭ ‬تونس‭ ‬بالفعل‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الصينية،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬زيت‭ ‬الزيتون‭ ‬والتمور‭ ‬والمنتجات‭ ‬البيولوجية‭ ‬والصناعات‭ ‬الغذائية‭ ‬وبعض‭ ‬الصناعات‭ ‬الميكانيكية‭ ‬والكهربائية‭ ‬والخدمات‭ ‬الرقمية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بمجرد‭ ‬فتح‭ ‬الأسواق،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬تسويقية‭ ‬متكاملة،‭ ‬وإلى‭ ‬فهم‭ ‬خصوصيات‭ ‬المستهلك‭ ‬الصيني‭ ‬ومتطلبات‭ ‬التوزيع‭ ‬والترويج‭ ‬والعلامات‭ ‬التجارية‭.‬

وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬أهمية‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬توقيعها‭ ‬بين‭ ‬مركز‭ ‬النهوض‭ ‬بالصادرات‭ ‬والمجلس‭ ‬الصيني‭ ‬لتعزيز‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬بمقاطعة‭ ‬هونان‭. ‬فالقيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬توفره‭ ‬من‭ ‬قنوات‭ ‬مؤسساتية‭ ‬للتواصل‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬وتنظيم‭ ‬اللقاءات‭ ‬المهنية‭ ‬والبعثات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وربط‭ ‬العلاقات‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬والمؤسسات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬مقاطعة‭ ‬هونان‭ ‬بالذات‭ ‬ليس‭ ‬أمرا‭ ‬عرضيا‭. ‬فهذه‭ ‬المقاطعة‭ ‬التي‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬خمسة‭ ‬وستين‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭ ‬تمثل‭ ‬قطبا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وصناعيا‭ ‬مهما‭ ‬داخل‭ ‬الصين‭. ‬وبعض‭ ‬المقاطعات‭ ‬الصينية‭ ‬الكبرى‭ ‬تعادل‭ ‬اقتصاديا‭ ‬دولا‭ ‬بأكملها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستثمار‭ ‬والاستهلاك‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬التعاون‭ ‬معها‭ ‬يفتح‭ ‬أمام‭ ‬المؤسسات‭ ‬التونسية‭ ‬فرصا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬أخرى‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬فقط‭. ‬فالصين‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والصناعة‭ ‬الحديثة‭. ‬وهي‭ ‬قطاعات‭ ‬تحتاجها‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬جهودها‭ ‬لتحقيق‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ورفع‭ ‬تنافسية‭ ‬مؤسساتها‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬العلاقات‭ ‬التونسية‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬شراكة‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬تشمل‭ ‬الاستثمار‭ ‬ونقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والتكوين‭ ‬والتصنيع‭ ‬المشترك‭ ‬والتعاون‭ ‬اللوجستي،‭ ‬بما‭ ‬يخلق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬ويوفر‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬جديدة‭ ‬للكفاءات‭ ‬التونسية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬تتضاعف‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم‭. ‬فالتوترات‭ ‬الدولية،‭ ‬واضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬وتزايد‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تدفع‭ ‬الدول‭ ‬المتوسطة‭ ‬والصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬شراكاتها‭ ‬وتوسيع‭ ‬هامش‭ ‬حركتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬تونس‭ ‬مطالبة‭ ‬اليوم‭ ‬بأن‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬بعقلية‭ ‬إستراتيجية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭. ‬فإلغاء‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬لمدة‭ ‬محددة‭ ‬زمنيا‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬ذا‭ ‬جدوى‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬ترافقه‭ ‬خطط‭ ‬عملية‭ ‬لتأهيل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المصدّرة‭ ‬وتحسين‭ ‬الجودة‭ ‬وتطوير‭ ‬منظومات‭ ‬الترويج‭ ‬واللوجستيك‭ ‬والتسويق‭ ‬الدولي‭.‬

إن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬حضور‭ ‬دائم‭ ‬ومستدام‭ ‬للمنتج‭ ‬التونسي‭ ‬داخل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬فكل‭ ‬عقد‭ ‬تصدير‭ ‬جديد،‭ ‬وكل‭ ‬شراكة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ناجحة،‭ ‬وكل‭ ‬استثمار‭ ‬إضافي،‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مكسبا‭ ‬لمؤسسة‭ ‬بعينها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬خطوة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تعزيز‭ ‬النمو‭ ‬ودعم‭ ‬احتياطي‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬وتحسين‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭.‬

وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬فإن‭ ‬التعاون‭ ‬التونسي‭ ‬الصيني‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عنوان‭ ‬دبلوماسي‭ ‬أو‭ ‬لقاء‭ ‬اقتصادي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬المسارات‭ ‬الواعدة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬تونس‭ ‬فرصا‭ ‬جديدة‭ ‬للنمو‭ ‬والانفتاح،‭ ‬إذا‭ ‬أحسنت‭ ‬استثمارها‭ ‬وتحويلها‭ ‬من‭ ‬إمكانيات‭ ‬نظرية‭ ‬إلى‭ ‬إنجازات‭ ‬ملموسة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حين‭ ‬تتحوّل‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬بوّابة‭ ‬إفريقيا‭: ‬ منتدى‭ ‬االزليكافب‭ ‬ورهان‭ ‬التّموقع‭..‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬‭ ‬عادل‭ ‬البرينصي تحتضن‭ ‬تونس‭ ‬غدا‭ ‬فعاليات‭ ‬الدورة‭ ‬الأولى‭ ‬لمنت…