الأعلاف الخشنة في تونس: معركة جديدة لحماية مربّي الماشية من الاحتكار ولهيب الأسعار
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
مع انطلاق موسم تجميع الأعلاف الخشنة وبيعها من قبل الفلاحين، يعود إلى الواجهة واحد من أكثر الملفات حساسية في القطاع الفلاحي التونسي، وهو ملف التزويد بالأعلاف وما يرافقه من ممارسات احتكارية ومضاربات تضع صغار ومتوسطي مربي الماشية أمام معادلة صعبة بين المحافظة على قطعانهم وتحمل أعباء مالية متزايدة.
وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات المربين للتنديد بارتفاع الأسعار وغياب الرقابة الكافية على مسالك التوزيع، انطلقت هذا الاسبوع عملية تزويد صغار ومتوسطي مربي الماشية بالأعلاف الخشنة عن طريق الهياكل المهنية المتعاقدة مع الديوان الوطني للأعلاف، في خطوة يأمل القطاع أن تخفف من حدة الأزمة وتحد من هيمنة الوسطاء والسماسرة.
وتشير المعطيات الميدانية التي يتحدث عنها مربو الماشية إلى وجود فوارق كبيرة بين السعر الذي يبيع به الفلاح الصغير منتوجه والسعر الذي يصل به إلى المربي. فـ«بالة التبن» على سبيل المثال، يتم بيعها بالجملة من قبل بعض صغار الفلاحين بحوالي ثلاثة دنانير فقط للتجار، غير أنها تصل إلى مربي الماشية بأسعار تتراوح بين ثمانية وتسعة دنانير، أي بزيادة تفوق أحيانا 200 بالمائة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول دور الوسطاء ومدى نجاعة آليات مراقبة الأسواق.
عدد من المهنيين يرون أن هذه الهوة السعرية لا يمكن تفسيرها فقط بمصاريف النقل أو الخزن، بل تعكس وجود شبكات مضاربة تستغل حاجة المربين إلى التزود السريع، خاصة في الفترات التي تعرف ارتفاع الطلب أو تراجع العرض.
ولا تقتصر تداعيات هذه الممارسات على المربين فحسب، بل تمتد إلى المنظومة الفلاحية بأكملها. فارتفاع كلفة الأعلاف يؤدي بشكل مباشر إلى زيادة كلفة إنتاج اللحوم الحمراء والحليب ومشتقاته، وهو ما ينعكس في النهاية على القدرة الشرائية للمستهلك التونسي رغم وفرة انتاج الاعلاف سيما بالولايات التي تطور فيها انتاج الحبوب على غرار الشمال الغربي والوسط.
وفي محاولة للتخفيف من هذه الضغوط، أعلن الديوان الوطني للأعلاف عن انطلاق عملية توزيع الأعلاف الخشنة عبر الهياكل المهنية المبرمة لاتفاقيات معه، وفق إجراءات تهدف إلى توجيه الدعم إلى مستحقيه والحد من المضاربة.
وتمّ تحديد الأسعار المرجعية كمايلي: قرط قصيبة موسم 2026: 12 دينارا للبالة الواحدة، وتبن الشعير موسم 2026: 5 دنانير للبالة الواحدة، ثم تبن التريتكال 5 دنانير للبالة الواحدة.
كما دعا الديوان مختلف الهياكل المهنية إلى التنسيق المسبق مع مصالحه من أجل تحديد الكميات المطلوبة وضبط برنامج تسلمها، بما يضمن حسن توزيع المخزون وتفادي الاضطرابات التي قد تطرأ على عمليات التزويد.
غير أن العديد من المتابعين للشأن الفلاحي يعتبرون أن هذه المبادرة، رغم أهميتها، لن تحقق أهدافها كاملة ما لم تترافق مع تشديد الرقابة الاقتصادية على مخازن الأعلاف ومسالك التوزيع، والتصدي لعمليات الاحتكار التي تتكرر مع كل موسم حصاد.
وتؤكد مصادر نقابية في القطاع على أن حماية المربي الصغير لا تكون فقط عبر توفير الأعلاف بأسعار مدعمة، بل أيضا من خلال تنظيم السوق وإرساء قدر أكبر من الشفافية بين المنتج والمستهلك النهائي، بما يقلص من عدد الوسطاء ويحد من الأرباح غير المشروعة.
موسم الأعلاف لهذه السنة سيكون اختبارا جديدا لقدرة مختلف المتدخلين على حماية الثروة الحيوانية الوطنية، خاصة في ظل ما يشهده القطاع من تحديات مرتبطة بارتفاع كلفة الإنتاج والتغيرات المناخية وتراجع هوامش الربح لدى المربين فيما ارتفعت اسعار اللحوم الحمراء الى مستويات خيالية.
لذلك إذا نجحت عمليات التزويد التي يشرف عليها الديوان الوطني للأعلاف في الوصول إلى المستحقين الحقيقيين، فقد تساهم في تهدئة السوق والحد من المضاربة. أما إذا بقيت مسالك الاحتكار تتحكم في حركة الأعلاف، فإن آلاف المربين سيجدون أنفسهم مرة أخرى أمام كلفة إنتاج مرهقة قد تدفع بعضهم إلى تقليص قطعانهم أو مغادرة النشاط نهائيا، وهو ما يمثل خطرا حقيقيا على الأمن الغذائي وعلى مستقبل قطاع يعد من أهم ركائز الاقتصاد الفلاحي في تونس.
رغم التحذيرات وقطع الإنترنات: أرقام أوّلية تكشف اتّساع ظاهرة الغش في الباكالوريا
الصحافة اليوم: مصباح الجدي كشفت الأرقام الأولية الصادرة عن وزارة التربية…

