2026-06-14

تحديد أسعار قبول الحبوب: رهان دعم الفلاحين وتعزيز الأمن الغذائي

الصحافة اليوم: راضية قريصيعة
يشكل الإعلان عن أسعار قبول الحبوب للصابة الحالية حدثًا اقتصاديًا وفلاحيًا بارزًا يترقبه آلاف الفلاحين والمتدخلين في منظومة الحبوب بمختلف حلقاتها، لما لهذه الأسعار من تأثير مباشر على مردودية الموسم الزراعي وعلى القرارات الاستثمارية للمنتجين خلال السنوات المقبلة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في ظل التحديات المناخية والاقتصادية التي يشهدها القطاع الفلاحي، وما يفرضه ذلك من ضرورة تحقيق التوازن بين مصلحة الفلاح وضمان استقرار السوق وتأمين الاحتياجات الوطنية من الحبوب.
وتعد الحبوب، بمختلف أنواعها، من الركائز الأساسية للأمن الغذائي الوطني، إذ تمثل مادة استراتيجية ترتبط مباشرة بالاستهلاك اليومي للمواطنين وبصناعات غذائية متعددة. لذلك فإن سياسة التسعير لا يُنظر إليها باعتبارها مجرد إجراء مالي أو إداري، بل كخيار استراتيجي يحدد مستقبل أحد أهم القطاعات الزراعية في البلاد.
موسم استثنائي وتطلعات كبيرة
جاء الموسم الفلاحي الحالي في ظروف اتسمت بتحسن نسبي في التساقطات المطرية مقارنة ببعض المواسم السابقة التي عرفت موجات جفاف أثرت بشكل كبير على الإنتاج الوطني. وقد ساهم تحسن الظروف المناخية في عدد من المناطق المنتجة للحبوب في رفع التوقعات بشأن حجم الصابة وجودتها، الأمر الذي عزز آمال الفلاحين في تحقيق مردودية أفضل وتعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها خلال السنوات الأخيرة.
ويرى المختصون في الشأن الفلاحي أن الموسم الحالي يمثل فرصة مهمة لإعادة الاعتبار لقطاع الحبوب ودفع الفلاحين إلى التوسع في المساحات المزروعة، خاصة إذا ما رافق ذلك اعتماد أسعار قبول مجزية تأخذ بعين الاعتبار الارتفاع الملحوظ في تكاليف الإنتاج.
ارتفاع الكلفة يفرض مراجعة الأسعار
شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا متواصلاً في كلفة الإنتاج الزراعي نتيجة الزيادة في أسعار المدخلات الأساسية، وعلى رأسها البذور الممتازة والأسمدة والمبيدات والمحروقات وقطع الغيار وخدمات النقل واليد العاملة. وقد انعكست هذه الزيادات بشكل مباشر على كلفة إنتاج القمح والشعير، ما دفع المنظمات المهنية والهياكل الممثلة للفلاحين إلى المطالبة بمراجعة أسعار قبول الحبوب بما يضمن تحقيق هامش ربح معقول للمنتجين.
و يؤكد عدد من الفلاحين أن التسعيرة العادلة يجب أن تراعي الواقع الاقتصادي الحالي وأن تمكنهم من تغطية النفقات وتحقيق عائد يسمح لهم بمواصلة النشاط الزراعي والاستثمار في تحسين الإنتاج. فكلما كانت الأسعار مشجعة، زادت قدرة الفلاح على تطوير وسائل العمل واعتماد تقنيات حديثة ترفع من المردودية والجودة.
دور الأسعار في دعم الانتاج الوطني
لا تقتصر أهمية أسعار قبول الحبوب على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى دورها في توجيه الخيارات الزراعية للفلاحين. فالمنتج يتخذ قراراته المتعلقة بالمساحات المزروعة ونوعية المحاصيل بناءً على مؤشرات الربحية المتوقعة. ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد أسعار محفزة يمكن أن يشجع على زيادة المساحات المخصصة للحبوب خلال المواسم المقبلة، وهو ما يساهم في تعزيز الإنتاج الوطني وتقليص الحاجة إلى التوريد.
ويعتبر الخبراء أن تحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي من الحبوب يتطلب منظومة متكاملة تشمل التسعير العادل، وتوفير المدخلات الزراعية، وتطوير البنية التحتية للتخزين والتجميع، فضلاً عن دعم البحث العلمي الزراعي وتحسين جودة البذور.
مراكز التجميع.. الحلقة الحاسمة
مع انطلاق موسم الحصاد، تتحول مراكز التجميع إلى عنصر أساسي في إنجاح عملية تسويق الصابة. وتضطلع هذه المراكز بمهمة استقبال الحبوب وفرزها وتصنيفها وفق معايير الجودة المعتمدة، بما في ذلك نسبة الرطوبة ونسبة الشوائب وسلامة الحبوب.
وتسعى الجهات المعنية سنويًا إلى توفير الظروف الملائمة لإنجاح عملية التجميع عبر تعزيز طاقة الخزن وتسهيل إجراءات القبول وتوفير وسائل النقل، بما يضمن انسيابية العمليات وتجنب الاكتظاظ والتأخير الذي قد يتسبب في خسائر للفلاحين أو يؤثر على جودة المحصول.
كما تمثل سرعة صرف مستحقات المنتجين عاملًا مهمًا في تعزيز الثقة بين الفلاحين ومؤسسات التجميع، حيث تمكنهم السيولة المالية من الإيفاء بالتزاماتهم والاستعداد للموسم الزراعي.
تجدر الاشارة الى أن تحديد أسعار قبول الحبوب يمثل أداة من أدوات السياسة الزراعية التي تهدف إلى تعزيز الإنتاج الوطني وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الغذائية. فكل دينار يتم استثماره في دعم المنتجين المحليين يمكن أن ينعكس إيجابًا على استقرار الإمدادات الغذائية وعلى قدرة الدولة على مواجهة التقلبات الخارجية.

‫شاهد أيضًا‬

التصريح‭ ‬الرقمي‭ ‬بالولادات‭:‬ خطوة‭ ‬نحو‭ ‬تحديث‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬وتبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬راضية‭ ‬قريصيعة في‭ ‬إطار‭ ‬تسريع‭ ‬مسار‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬وتحديث‭ ‬ا…