حين تصبح الصحة قضيّة سيادة: تونس وإفريقيا في مواجهة أوبئة المستقبل
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
لم تعد الصحة العمومية منذ سنوات شأناً تقنياً يقتصر على المستشفيات والأطباء والأدوية، ولم يعد الأمن الصحي ملفاً قطاعياً تتولى إدارته وزارات الصحة وحدها. فمنذ أن اجتاح وباء كورونا العالم، وتهاوت أمامه أنظمة صحية كانت تُصنَّف بين الأقوى عالمياً، أدركت الدول أن الأمن الصحي أصبح جزءاً من الأمن القومي، وأن القدرة على مواجهة الأوبئة والأزمات الصحية لا تقل أهمية عن امتلاك الجيوش أو حماية الحدود أو تأمين الموارد الاستراتيجية. في هذا السياق احتضنت تونس أمس الاثنين بالعاصمة أشغال منتدى اتونسذإفريقيا للصمود والإنصاف في الصحة العموميةب، بمبادرة من جامعة تونس المنار وفي إطار مشروع المؤشر الإفريقي للأمن الصحي بالشراكة مع عدد من المؤسسات الدولية، من بينها مركز جامعة براون للأوبئة بالولايات المتحدة الأمريكية. ويأتي انعقاد هذا المنتدى في لحظة دولية وإفريقية دقيقة، تتزايد فيها المخاوف من أزمات صحية جديدة، وتتعمق فيها الفجوات بين الدول من حيث القدرة على الوقاية والاستجابة والتعافي.
المنتدى ليس مجرد تظاهرة أكاديمية أو لقاء للخبراء والباحثين، بل هو محاولة لطرح سؤال جوهري يتعلق بمستقبل القارة الإفريقية: هل أصبحت إفريقيا أكثر استعداداً لمواجهة الأوبئة والأزمات الصحية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات؟ أم أن الدروس القاسية التي خلفتها جائحة كورونا ما تزال تنتظر أن تتحول إلى سياسات وإصلاحات فعلية؟
إن أهمية هذا اللقاء تكمن أساساً في الإعلان من تونس عن أولى نتائج تقييم أنظمة الصحة العمومية الإفريقية في إطار المؤشر الإفريقي للأمن الصحي، وهو مشروع طموح يسعى إلى قياس قدرات الدول الإفريقية على الوقاية من المخاطر الصحية والكشف عنها والاستجابة لها وفق معايير علمية معترف بها دولياً. وفي عالم تزداد فيه أهمية البيانات والمؤشرات، لم يعد ممكناً الحديث عن الإصلاح أو التطوير بالاعتماد على الانطباعات أو التقديرات العامة، بل أصبح القياس الدقيق أساساً لأي سياسة ناجحة.
ومن هنا تكتسب تونس أهمية خاصة في هذا المسار. فاختيارها لاحتضان المنتدى لا يرتبط فقط بموقعها الجغرافي أو بمكانة جامعاتها ومؤسساتها العلمية، بل يعكس أيضاً رغبة في أن تكون جزءاً من النقاش الإفريقي حول قضايا المستقبل. فالدول التي تريد أن تحجز لنفسها مكاناً في عالم الغد لا يمكن أن تكتفي بمتابعة الأحداث، بل عليها أن تساهم في إنتاج المعرفة وصياغة الحلول.
لقد كشفت جائحة كورونا عن حقيقة مؤلمة: كثير من الأنظمة الصحية في العالم كانت تبدو قوية إلى أن وُضعت أمام اختبار حقيقي. بعض الدول امتلكت الإمكانيات لكنها افتقرت إلى الجاهزية، وبعضها امتلك الكفاءات لكنه عانى من ضعف التنسيق، بينما وجدت دول أخرى نفسها عاجزة عن توفير أبسط المستلزمات الصحية لمواطنيها. لذلك لم يعد مفهوم الأمن الصحي يعني عدد المستشفيات أو الأطباء فقط، بل أصبح يشمل القدرة على التوقع المبكر، وجمع المعلومات، وإدارة الأزمات، وتأمين سلاسل التزويد، وضمان العدالة في الوصول إلى الخدمات الصحية.
وهنا يبرز البعد الإفريقي للمنتدى. فالقارة التي تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة تواجه تحديات صحية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فالفقر، والهشاشة المناخية، وسرعة التوسع الحضري، وضعف البنى التحتية في بعض المناطق، كلها عوامل تجعل من بناء منظومات صحية صامدة ضرورة وجودية لا مجرد خيار سياسي.
غير أن الحديث عن الصمود لا يكفي وحده. فشعار المنتدى يربط بين الصمود والإنصاف، وهي إضافة ذات دلالة عميقة. فالتجارب العالمية أثبتت أن الأزمات الصحية لا تضرب الجميع بالدرجة نفسها، بل تكشف وتعمق أحياناً أوجه التفاوت الاجتماعي والمجالي. لذلك فإن بناء منظومة صحية قوية لا يعني فقط امتلاك التكنولوجيا والتجهيزات، بل يعني أيضاً ضمان حق الجميع في النفاذ إلى العلاج والخدمات الصحية دون تمييز أو إقصاء.
ومن المتوقع أن تساهم نتائج المؤشر الإفريقي للأمن الصحي في مساعدة الحكومات وصنّاع القرار على تحديد نقاط القوة ومواطن الضعف داخل أنظمتهم الصحية، وتوجيه الاستثمارات والإصلاحات نحو المجالات الأكثر حاجة إلى التطوير. كما يمكن لهذه النتائج أن تعزز التعاون بين الدول الإفريقية في مجالات البحث العلمي والتكوين وتبادل الخبرات والإنذار المبكر والاستجابة المشتركة للأزمات.
في النهاية، لا يبدو تنظيم هكذا أشغال ومنتدى مجرد محطة أكاديمية عابرة في رزنامة المؤتمرات الدولية، بل يعكس وعياً متزايداً بأن مستقبل التنمية في إفريقيا مرتبط بقدرة دولها على حماية صحة مواطنيها. فالدول التي لا تستطيع مواجهة الأوبئة والأزمات الصحية لن تستطيع حماية اقتصادها أو استقرارها الاجتماعي أو مسارها التنموي.
ومن هذا المنظور، فإن الرسالة التي تنطلق اليوم من تونس تتجاوز حدود القاعة التي تحتضن المنتدى. إنها رسالة مفادها أن الأمن الصحي لم يعد ترفاً أو ملفاً ثانوياً، بل أصبح أحد المعايير الأساسية لقياس قوة الدول وقدرتها على الصمود في عالم تزداد فيه المخاطر وتتسارع فيه التحولات. وفي هذا العالم الجديد، قد لا يكون السؤال من يملك أكبر اقتصاد أو أقوى جيش، بل من يملك النظام الصحي الأكثر قدرة على حماية الإنسان عندما تأتي الأزمة القادمة.
تونس والصين: حين تلتقي الفرصة بالسوق الكبرى
الصحافة اليوم: عادل البرينصي في عالم يعاد فيه رسم خرائط الاقتصاد والتج…
