2026-06-17

بين‭ ‬تزايد‭ ‬الحوادث‭ ‬وضعف‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الصحية سيارات‭ ‬الإسعاف‭.. ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الأرواح

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬حوادث‭ ‬المرور‭ ‬وحالات‭ ‬التسمم‭ ‬الجماعي‭ ‬والطارئة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مجرد‭ ‬أخبار‭ ‬عابرة‭ ‬تتصدر‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬أو‭ ‬صفحات‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬اختبارات‭ ‬حقيقية‭ ‬لمدى‭ ‬جاهزية‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬السريع‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الأرواح‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تقع‭ ‬فيها‭ ‬كارثة‭ ‬أو‭ ‬حادث‭ ‬خطير،‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬سؤال،‭  ‬هل‭ ‬تمتلك‭ ‬المستشفيات‭ ‬الجهوية‭ ‬والمحلية‭ ‬العدد‭ ‬الكافي‭ ‬من‭ ‬سيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬لمواجهة‭ ‬الطوارئ؟

وخلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أظهرت‭ ‬الوقائع‭ ‬الميدانية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الولايات،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬سيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬وقفصة‭ ‬والقيروان،‭ ‬أن‭ ‬نقص‭ ‬سيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬بات‭ ‬يمثل‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬حلقات‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التدخل‭ ‬الصحي‭ ‬العاجل،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬حوادث‭ ‬مرور‭ ‬دامية‭ ‬وحالات‭ ‬تسمم‭ ‬استوجبت‭ ‬نقل‭ ‬المصابين‭ ‬في‭ ‬أسرع‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‭.‬

ويؤكد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬أن‭ ‬الضغط‭ ‬المسلط‭ ‬على‭ ‬أسطول‭ ‬سيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬يتضاعف‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬والمواسم‭ ‬الفلاحية‭ ‬وفترات‭ ‬الأعياد‭ ‬والعطل،‭ ‬حيث‭ ‬ترتفع‭ ‬نسبة‭ ‬الحوادث‭ ‬المرورية‭ ‬والإصابات‭ ‬المختلفة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تظل‭ ‬الإمكانيات‭ ‬اللوجستية‭ ‬محدودة‭ ‬ولا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬الاحتياجات‭.‬

وفي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الداخلية،‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬سيارة‭ ‬إسعاف‭ ‬واحدة‭ ‬نفسها‭ ‬مطالبة‭ ‬بالتدخل‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حادث‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬أو‭ ‬قطع‭ ‬عشرات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬لنقل‭ ‬مريض‭ ‬نحو‭ ‬مستشفى‭ ‬جامعي‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬الاختصاصات‭ ‬الطبية‭ ‬بالمستشفيات‭ ‬المحلية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬إلى‭ ‬تأخير‭ ‬عمليات‭ ‬الاسعاف،‭ ‬بينما‭ ‬تكون‭ ‬الدقائق‭ ‬الأولى‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬إنقاذ‭ ‬حياة‭ ‬المصابين‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬حوادث‭ ‬المرور‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬كذلك‭ ‬حالات‭ ‬التسمم‭ ‬الغذائي‭ ‬أو‭ ‬الكيميائي‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تصيب‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬تعبئة‭ ‬عدد‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬سيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬وحدات‭ ‬الحماية‭ ‬المدنية‭ ‬والمستشفيات‭ ‬المجاورة‭.‬

ورغم‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬تبذلها‭ ‬وحدات‭ ‬الحماية‭ ‬المدنية‭ ‬والإطارات‭ ‬الطبية‭ ‬وشبه‭ ‬الطبية،‭ ‬فإنها‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬أحياناً‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬صعبة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬التدخلات‭ ‬مقابل‭ ‬محدودية‭ ‬الوسائل‭. ‬فكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬سيارات‭ ‬إسعاف‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬معتمديات‭ ‬أو‭ ‬ولايات‭ ‬مجاورة‭ ‬لتعزيز‭ ‬عمليات‭ ‬النجدة،‭ ‬وهو‭ ‬حل‭ ‬ظرفي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعوض‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬دائم‭ ‬ومستدام‭ ‬للأسطول‭ ‬الصحي‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يرى‭ ‬مختصون‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الإشكال‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬سيارات‭ ‬إسعاف‭ ‬جديدة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬تشمل‭ ‬صيانة‭ ‬العربات‭ ‬الموجودة،‭ ‬وتوفير‭ ‬التجهيزات‭ ‬الطبية‭ ‬الضرورية‭ ‬داخلها،‭ ‬وتدعيم‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬سواق‭ ‬ومسعفين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬المستشفيات‭ ‬والحماية‭ ‬المدنية‭ ‬ومصالح‭ ‬الطب‭ ‬الاستعجالي‭.‬

كما‭ ‬يطرح‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬الصحي‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬سيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬موضوعية‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬الكثافة‭ ‬السكانية،‭ ‬والمساحة‭ ‬الجغرافية،‭ ‬وعدد‭ ‬الحوادث‭ ‬المسجلة‭ ‬سنوياً،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬ترفع‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الحوادث،‭ ‬مثل‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬والفلاحية‭ ‬وشبكات‭ ‬الطرقات‭ ‬السريعة‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطرقات‭ ‬وبعد‭ ‬المسافات‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬تعقيد‭ ‬عمليات‭ ‬التدخل‭. ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية،‭ ‬تتحول‭ ‬رحلة‭ ‬سيارة‭ ‬الإسعاف‭ ‬إلى‭ ‬تحد‭ ‬حقيقي‭ ‬بسبب‭ ‬رداءة‭ ‬المسالك‭ ‬أو‭ ‬طول‭ ‬المسافة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬مكان‭ ‬الحادث‭ ‬وأقرب‭ ‬مؤسسة‭ ‬صحية‭ ‬مجهزة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يشدد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬السريع‭ ‬والنجدة‭ ‬الفورية‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحق‭ ‬الدستوري‭ ‬في‭ ‬الصحة،‭ ‬وأن‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتقلص‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬عمومية‭ ‬أكثر‭ ‬عدلاً‭ ‬وإنصافاً‭.‬

‭ ‬حوادث‭ ‬المرور‭ ‬والكوارث‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬تمنح‭ ‬المصاب‭ ‬مهلة‭ ‬إضافية،‭ ‬فالوقت‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الإسعاف‭ ‬يقاس‭ ‬بالدقائق‭ ‬والثواني،‭ ‬وأي‭ ‬تأخير‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬دعم‭ ‬أسطول‭ ‬سيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬بالمستشفيات‭ ‬الجهوية‭ ‬والمحلية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬مطلب‭ ‬مهني‭ ‬أو‭ ‬قطاعي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬ضرورة‭ ‬إنسانية‭ ‬وتنموية‭ ‬تفرضها‭ ‬حماية‭ ‬الأرواح‭ ‬وضمان‭ ‬حق‭ ‬جميع‭ ‬التونسيين‭ ‬في‭ ‬تدخل‭ ‬صحي‭ ‬سريع‭ ‬وفعال‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الأعلاف الخشنة في تونس: معركة جديدة لحماية مربّي الماشية من الاحتكار ولهيب الأسعار

الصحافة اليوم: مصباح الجدي مع انطلاق موسم تجميع الأعلاف الخشنة وبيعها من قبل الفلاحين، يعو…