موجة الحرّ تلهب أسعار الخضر والغلال : نقص اليد العاملة والكهرباء يُربكان منظومة التزويد
الصحافة اليوم : مصباح الجدي
تعرف أسعار الخضر والغلال هذه الفترة ارتفاعا ملحوظا داخل الأسواق التونسية ويعكس هذا سلسلة من الصعوبات التي تضرب مختلف حلقات المنظومة الفلاحية، بداية من الحقول وصولًا إلى محلات البيع بالتفصيل. ففي ظل موجة الحر القياسية التي تشهدها البلاد، بات الإنتاج الفلاحي يواجه تحديات غير مسبوقة، فيما وجد التجار أنفسهم في مواجهة خسائر متكررة بسبب الانقطاعات المتواصلة للتيار الكهربائي، وهو ما انعكس في نهاية المطاف على جيب المستهلك الذي أصبح يدفع فاتورة أزمة لم يكن طرفًا فيها.
في هذه الفترة تسجل الأسواق الأسبوعية ومحلات بيع الخضر والغلال ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار العديد من المنتوجات الصيفية، على غرار الطماطم والفلفل والبصل والخوخ والعنب والبطيخ والدلاع وغيرها. وبينما يفسر البعض هذه الزيادات بارتفاع الطلب خلال فصل الصيف، يؤكد المهنيون أن السبب الحقيقي يكمن في تراجع الكميات المعروضة، نتيجة تعطل عمليات الجني والنقل وتزايد نسبة التلف.
ويبدو أن العامل البشري أصبح اليوم أحد أبرز عناصر الأزمة. فمع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، أصبح عدد من العمال الفلاحيين يتجنبون العمل في الحقول خلال ساعات النهار، خاصة في عمليات الجني التي تتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا تحت أشعة الشمس المباشرة. ويؤكد عدد من الفلاحين أن إيجاد اليد العاملة أصبح أكثر صعوبة من السابق، وأن الكثير من العمال يفضلون تقليص ساعات العمل أو الامتناع عنه كليًا حفاظًا على صحتهم، وهو أمر مفهوم من الناحية الإنسانية، لكنه يترك آثارًا مباشرة على نسق الإنتاج.
هذا النقص في اليد العاملة يؤدي إلى تأخر جني المحاصيل، وهو ما يجعل جزءًا منها يفقد جودته أو يتلف قبل وصوله إلى الأسواق، خصوصًا بالنسبة إلى الغلال والخضر سريعة التلف. وفي بعض الحالات، يجد الفلاح نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما ترك جزء من المحصول في الأرض، أو تحمل كلفة إضافية للبحث عن عمال بأجور أعلى، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار البيع.
ولا تقف الصعوبات عند حدود الضيعات الفلاحية، بل تمتد إلى محلات بيع الخضر والغلال التي أصبحت تعاني من الانقطاعات المتكررة للكهرباء. فهذه المحلات تعتمد بشكل كبير على وسائل التبريد للحفاظ على جودة المنتوجات، وخاصة الغلال. وكل انقطاع للكهرباء، ولو لساعات قليلة، يعني بداية تلف تدريجي للبضائع وانخفاضًا في جودتها، وهو ما يضطر التاجر إلى التخلص من جزء منها أو بيعها بأسعار أقل لتفادي خسائر أكبر.
وفي المقابل، يحاول بعض التجار تعويض تلك الخسائر برفع هامش الربح على الكميات السليمة المتبقية، لتصبح الأسعار أعلى بالنسبة للمستهلك. وهكذا تدخل السوق في حلقة مفرغة، يكون ضحيتها الجميع: الفلاح الذي يخسر جزءًا من إنتاجه، والتاجر الذي تتلف بضاعته، والمواطن الذي يواجه أسعارًا تتجاوز قدرته الشرائية.
موجات الحرّ لم تعد أحداثًا استثنائية، بل أصبحت واقعًا يتكرر كل صيف، وهو ما يستوجب إعادة النظر في طرق تنظيم العمل الفلاحي، عبر اعتماد توقيت أكثر ملاءمة للظروف المناخية، وتوفير وسائل حماية للعمال، إلى جانب تشجيع استعمال التقنيات الحديثة التي تقلص الاعتماد على العمل اليدوي في بعض مراحل الإنتاج.
كما يطالب مهنيون بإيجاد حلول عاجلة للحد من تأثير الانقطاعات الكهربائية، سواء من خلال تحسين استقرار الشبكة أو تشجيع التجار والفلاحين على الاستثمار في حلول بديلة، مثل الطاقة الشمسية، خاصة وأن كلفة التلف أصبحت في كثير من الأحيان أكبر من كلفة الاستثمار في تجهيزات توفر استمرارية التبريد.
كما أن استقرار الأسعار لا يتحقق فقط عبر تكثيف حملات المراقبة الاقتصادية، بل أيضًا عبر معالجة الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى نقص العرض. فحين يتراجع الإنتاج أو تتعطل عملية الجني أو تتلف البضائع بسبب غياب الكهرباء، فإن السوق ستشهد حتمًا اختلالًا بين العرض والطلب، مهما كانت إجراءات الرقابة صارمة.
وفي ظل استمرار موجة الحر وتواصل الضغوط على القطاع الفلاحي، يتوجب ايجاد مقاربة شاملة تجمع بين دعم الإنتاج وحماية اليد العاملة وتحسين البنية التحتية للطاقة وتأمين ظروف أفضل لحفظ المنتوجات. فالأمن الغذائي لا يقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضًا بقدرة البلاد على إيصال هذا الإنتاج إلى المستهلك في أفضل الظروف وبأسعار معقولة.
من الرّفاهية إلى الضرورة إقبال ملحوظ على اقتناء أجهزة التّكييف والتّبريد
الصحافة اليوم:مصباح الجدي مع استمرار موجة الحرّ القياسية التي تضرب مخت…
