2026-06-17

حين‭ ‬تصبح‭ ‬الصحة‭ ‬قضيّة‭ ‬سيادة‭:‬ تونس‭ ‬وإفريقيا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أوبئة‭ ‬المستقبل

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬‭ ‬عادل‭ ‬البرينصي

لم‭ ‬تعد‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬شأناً‭ ‬تقنياً‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المستشفيات‭ ‬والأطباء‭ ‬والأدوية،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الأمن‭ ‬الصحي‭ ‬ملفاً‭ ‬قطاعياً‭ ‬تتولى‭ ‬إدارته‭ ‬وزارات‭ ‬الصحة‭ ‬وحدها‭. ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬اجتاح‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭ ‬العالم،‭ ‬وتهاوت‭ ‬أمامه‭ ‬أنظمة‭ ‬صحية‭ ‬كانت‭ ‬تُصنَّف‭ ‬بين‭ ‬الأقوى‭ ‬عالمياً،‭ ‬أدركت‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الصحي‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬وأن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأوبئة‭ ‬والأزمات‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬امتلاك‭ ‬الجيوش‭ ‬أو‭ ‬حماية‭ ‬الحدود‭ ‬أو‭ ‬تأمين‭ ‬الموارد‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬احتضنت‭ ‬تونس‭ ‬أمس‭ ‬الاثنين‭ ‬بالعاصمة‭  ‬أشغال‭ ‬منتدى‭ ‬اتونسذإفريقيا‭ ‬للصمود‭ ‬والإنصاف‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬العموميةب،‭ ‬بمبادرة‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬تونس‭ ‬المنار‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬مشروع‭ ‬المؤشر‭ ‬الإفريقي‭ ‬للأمن‭ ‬الصحي‭ ‬بالشراكة‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬مركز‭ ‬جامعة‭ ‬براون‭ ‬للأوبئة‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬ويأتي‭ ‬انعقاد‭ ‬هذا‭ ‬المنتدى‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬دولية‭ ‬وإفريقية‭ ‬دقيقة،‭ ‬تتزايد‭ ‬فيها‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬صحية‭ ‬جديدة،‭ ‬وتتعمق‭ ‬فيها‭ ‬الفجوات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوقاية‭ ‬والاستجابة‭ ‬والتعافي‭.‬

المنتدى‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تظاهرة‭ ‬أكاديمية‭ ‬أو‭ ‬لقاء‭ ‬للخبراء‭ ‬والباحثين،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬لطرح‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭ ‬يتعلق‭ ‬بمستقبل‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية‭: ‬هل‭ ‬أصبحت‭ ‬إفريقيا‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأوبئة‭ ‬والأزمات‭ ‬الصحية‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬سنوات؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الدروس‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬وإصلاحات‭ ‬فعلية؟

إن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬تكمن‭ ‬أساساً‭ ‬في‭ ‬الإعلان‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬عن‭ ‬أولى‭ ‬نتائج‭ ‬تقييم‭ ‬أنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬الإفريقية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المؤشر‭ ‬الإفريقي‭ ‬للأمن‭ ‬الصحي،‭ ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬طموح‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬قياس‭ ‬قدرات‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬على‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬الصحية‭ ‬والكشف‭ ‬عنها‭ ‬والاستجابة‭ ‬لها‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬علمية‭ ‬معترف‭ ‬بها‭ ‬دولياً‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬تزداد‭ ‬فيه‭ ‬أهمية‭ ‬البيانات‭ ‬والمؤشرات،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكناً‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإصلاح‭ ‬أو‭ ‬التطوير‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬الانطباعات‭ ‬أو‭ ‬التقديرات‭ ‬العامة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬القياس‭ ‬الدقيق‭ ‬أساساً‭ ‬لأي‭ ‬سياسة‭ ‬ناجحة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكتسب‭ ‬تونس‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭. ‬فاختيارها‭ ‬لاحتضان‭ ‬المنتدى‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بموقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬أو‭ ‬بمكانة‭ ‬جامعاتها‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬العلمية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬أيضاً‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬الإفريقي‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬المستقبل‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تحجز‭ ‬لنفسها‭ ‬مكاناً‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الغد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكتفي‭ ‬بمتابعة‭ ‬الأحداث،‭ ‬بل‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬وصياغة‭ ‬الحلول‭.‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬مؤلمة‭: ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬قوية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وُضعت‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭. ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬امتلكت‭ ‬الإمكانيات‭ ‬لكنها‭ ‬افتقرت‭ ‬إلى‭ ‬الجاهزية،‭ ‬وبعضها‭ ‬امتلك‭ ‬الكفاءات‭ ‬لكنه‭ ‬عانى‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬التنسيق،‭ ‬بينما‭ ‬وجدت‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬نفسها‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬أبسط‭ ‬المستلزمات‭ ‬الصحية‭ ‬لمواطنيها‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الصحي‭ ‬يعني‭ ‬عدد‭ ‬المستشفيات‭ ‬أو‭ ‬الأطباء‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يشمل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التوقع‭ ‬المبكر،‭ ‬وجمع‭ ‬المعلومات،‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬وتأمين‭ ‬سلاسل‭ ‬التزويد،‭ ‬وضمان‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬البعد‭ ‬الإفريقي‭ ‬للمنتدى‭. ‬فالقارة‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬وأربعمائة‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬صحية‭ ‬معقدة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والبيئية‭. ‬فالفقر،‭ ‬والهشاشة‭ ‬المناخية،‭ ‬وسرعة‭ ‬التوسع‭ ‬الحضري،‭ ‬وضعف‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬منظومات‭ ‬صحية‭ ‬صامدة‭ ‬ضرورة‭ ‬وجودية‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬سياسي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الصمود‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭. ‬فشعار‭ ‬المنتدى‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الصمود‭ ‬والإنصاف،‭ ‬وهي‭ ‬إضافة‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬عميقة‭. ‬فالتجارب‭ ‬العالمية‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬تضرب‭ ‬الجميع‭ ‬بالدرجة‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬وتعمق‭ ‬أحياناً‭ ‬أوجه‭ ‬التفاوت‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمجالي‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬صحية‭ ‬قوية‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬امتلاك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والتجهيزات،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬أيضاً‭ ‬ضمان‭ ‬حق‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬العلاج‭ ‬والخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬أو‭ ‬إقصاء‭.‬

ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬نتائج‭ ‬المؤشر‭ ‬الإفريقي‭ ‬للأمن‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬الحكومات‭ ‬وصنّاع‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬ومواطن‭ ‬الضعف‭ ‬داخل‭ ‬أنظمتهم‭ ‬الصحية،‭ ‬وتوجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والإصلاحات‭ ‬نحو‭ ‬المجالات‭ ‬الأكثر‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬التطوير‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬النتائج‭ ‬أن‭ ‬تعزز‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتكوين‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬والإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬والاستجابة‭ ‬المشتركة‭ ‬للأزمات‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬تنظيم‭ ‬هكذا‭ ‬أشغال‭ ‬ومنتدى‭  ‬مجرد‭ ‬محطة‭ ‬أكاديمية‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬رزنامة‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬وعياً‭ ‬متزايداً‭ ‬بأن‭ ‬مستقبل‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬مرتبط‭ ‬بقدرة‭ ‬دولها‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬صحة‭ ‬مواطنيها‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬مواجهة‭ ‬الأوبئة‭ ‬والأزمات‭ ‬الصحية‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬حماية‭ ‬اقتصادها‭ ‬أو‭ ‬استقرارها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬مسارها‭ ‬التنموي‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬القاعة‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬المنتدى‭. ‬إنها‭ ‬رسالة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الصحي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ترفاً‭ ‬أو‭ ‬ملفاً‭ ‬ثانوياً،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬المعايير‭ ‬الأساسية‭ ‬لقياس‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تزداد‭ ‬فيه‭ ‬المخاطر‭ ‬وتتسارع‭ ‬فيه‭ ‬التحولات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الجديد،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬أو‭ ‬أقوى‭ ‬جيش،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬النظام‭ ‬الصحي‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬تأتي‭ ‬الأزمة‭ ‬القادمة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تونس‭ ‬والصين‭: ‬ حين‭ ‬تلتقي‭ ‬الفرصة‭ ‬بالسوق‭ ‬الكبرى

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عادل‭ ‬البرينصي في‭ ‬عالم‭ ‬يعاد‭ ‬فيه‭ ‬رسم‭ ‬خرائط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتج…