2026-06-18

المونديال يغيّر عقارب الساعة في تونس: الفرجة تتواصل للصباح..وحركية اقتصادية استثنائية بالمقاهي

صحافة اليوم: مصباح الجدي
لم تعد متابعة مباريات كأس العالم في نسختها الحالية مجرّد هواية رياضية بالنسبة للتونسيين، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية فرضت إيقاعاً جديداً على الحياة اليومية لآلاف المشجعين الذين وجدوا أنفسهم أمام مواعيد غير مألوفة لمتابعة منتخباتهم ونجومهم المفضلين.فبين الثانية والخامسة فجراً، وهي ساعات اعتاد فيها أغلب التونسيين النوم أو الاستعداد ليوم عمل جديد، أصبحت المقاهي تعجّ بالرواد، فيما تشهد الشوارع المحيطة بها حركة غير معتادة، في مشهد يعكس المكانة الخاصة التي تحتلها كرة القدم في الوجدان التونسي.
وكانت مباراة المنتخب التونسي أمام نظيره السويدي، التي دارت فجر الأحد الماضي على الساعة الثالثة صباحاً، أول اختبار حقيقي لهذا التوقيت الاستثنائي. ورغم الهزيمة الثقيلة التي تلقاها المنتخب الوطني، فإن ذلك لم يمنع آلاف المشجعين من السهر حتى ساعات الصباح الأولى لمتابعة اللقاء، سواء داخل المقاهي أو في المنازل.
ويستعد التونسيون خلال الأيام القادمة لموعد جديد أكثر غرابة من حيث التوقيت، عندما يواجه المنتخب الوطني نظيره الياباني على الساعة الخامسة فجراً، وهو موعد يتزامن مع بداية الحركة اليومية للعديد من العمال والموظفين.
هذه المواعيد غير التقليدية فرضت تعديلات واضحة على نمط حياة المشجعين. فهناك من اختار السهر حتى موعد المباراة، فيما فضّل آخرون النوم لساعات قليلة ثم الاستيقاظ قبل انطلاق اللقاء. كما اضطر البعض إلى إعادة تنظيم مواعيد العمل خلال اليوم الموالي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمباريات تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة.
وفي المقابل، وجدت المقاهي في هذه المنافسة العالمية فرصة اقتصادية ثمينة. فقد عمد عدد منها إلى الإبقاء على أبوابه مفتوحة على مدار الأربع والعشرين ساعة أو تمديد ساعات العمل إلى ما بعد منتصف الليل لاستقبال المشجعين. كما تم تجهيز شاشات عملاقة وتوفير خدمات إضافية لجذب أكبر عدد ممكن من الحرفاء الباحثين عن أجواء جماعية لمتابعة المباريات.
ولم تقتصر الاستفادة على أصحاب المقاهي فحسب، بل امتدت إلى المحلات التجارية المجاورة ونقاط بيع المأكولات السريعة والمخابز ومحلات المرطبات. فخلال الساعات التي تسبق المباريات أو التي تليها مباشرة، تشهد هذه الفضاءات إقبالاً ملحوظاً من الجماهير التي تبحث عن وجبة خفيفة أو مشروب ساخن لمقاومة السهر.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن مثل هذه التظاهرات الرياضية العالمية تخلق حركية مالية ظرفية في عدة قطاعات مرتبطة بالاستهلاك والترفيه والخدمات، حتى وإن كانت تدور في ساعات غير معتادة. كما تساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى التي تعتمد على كثافة الحضور البشري في محيطها المباشر.
ومن الناحية الاجتماعية، تحولت المقاهي خلال هذه الفترة إلى فضاءات تجمع بين مختلف الفئات العمرية والمهنية. فالعامل والموظف والطالب والمتقاعد يجلسون جنباً إلى جنب لتقاسم لحظات التشويق والانفعال التي تفرضها مباريات كأس العالم، في مشهد يعكس قدرة كرة القدم على تجاوز الفوارق الاجتماعية وصناعة لحظات جماعية نادرة.
غير أن هذا السهر المتواصل لا يخلو من بعض الانعكاسات السلبية، إذ يشتكي عدد من المشجعين من الإرهاق واضطراب ساعات النوم، خاصة عندما تتزامن المباريات مع أيام العمل. كما أن الاستيقاظ في ساعات الفجر أو السهر حتى الصباح قد يؤثر على التركيز والإنتاجية لدى البعض خلال اليوم الموالي.
ورغم ذلك، يبدو أن شغف التونسيين بكرة القدم يظل أقوى من حسابات النوم والراحة. فكلما اقترب موعد مباراة جديدة، تعود المقاهي إلى الاكتظاظ، وتستعيد الشوارع بعضاً من حركتها الليلية الاستثنائية، في انتظار صافرة البداية التي أصبحت قادرة على تغيير عقارب الساعة في تونس، ولو مؤقتاً.
وبين عشق المستديرة والرغبة في عيش أجواء المونديال بكل تفاصيلها، يواصل التونسيون التأقلم مع مواعيد لم يعتادوها من قبل، لتتحول ليالي الصيف إلى فضاءات مفتوحة للسهر والتشجيع بطريقة استثنائية، وتتحول ساعات الفجر إلى موعد جديد يجمع بين الرياضة والترفيه والحركية الاقتصادية.

‫شاهد أيضًا‬

بين‭ ‬تزايد‭ ‬الحوادث‭ ‬وضعف‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الصحية سيارات‭ ‬الإسعاف‭.. ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الأرواح

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ لم‭ ‬تعد‭ ‬حوادث‭ ‬المرور‭ ‬وحالات‭ ‬التسمم‭ ‬الجماعي‭ …