2026-06-19

‭      ‬الاتفاق‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإيراني هدنة‭ ‬الضرورة‭ ‬أم‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬توازنات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭ :‬كريمة‭ ‬دغراش

بعد‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬متوترة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬الاتفاق‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬الذي‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬بنوده‭ ‬قبل‭ ‬ساعات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬اعتادت‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حلها‭ ‬حدثا‭ ‬عاديا‭ ‬فبعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬والتصعيد‭ ‬غير‭ ‬المسبوق،‭ ‬اختارت‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬التفاهم‭ ‬عبر‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬تمهد‭ ‬لوقف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬وفتح‭ ‬مسار‭ ‬تفاوضي‭ ‬جديد‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬ملفات‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحرب‭ ‬الراهنة‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭ ‬بأكملها‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬قُدم‭ ‬باعتباره‭ ‬خطوة‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬وتهدئة‭ ‬المنطقة،‭ ‬فإن‭ ‬القراءة‭ ‬السياسية‭ ‬العميقة‭ ‬تكشف‭ ‬أنه‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬إدراك‭ ‬متبادل‭ ‬لدى‭ ‬الطرفين‭ ‬وخصوصا‭ ‬لدى‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬بأن‭ ‬استمرار‭ ‬المواجهة‭ ‬يحمل‭ ‬كلفة‭ ‬باهظة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحملها‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

لقد‭ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬وتحديدا‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬منذ‭ ‬أشهر‭ ‬عن‭ ‬مخرج‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التداعيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬اضطراب‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وارتفاع‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭. ‬

أما‭ ‬إيران،‭ ‬فقد‭ ‬دخلت‭ ‬هذه‭ ‬المفاوضات‭ ‬ساعية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬استراتيجية‭ ‬واقتصادية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

‭ ‬تتضمن‭ ‬المذكرة‭ ‬التي‭ ‬كشف‭ ‬عنها‭ ‬رسميا‭ ‬تسهيلات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالإفراج‭ ‬عن‭ ‬أصول‭ ‬مالية‭ ‬مجمدة‭ ‬وتخفيف‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬وإعادة‭ ‬دمج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬وهي‭ ‬مطالب‭ ‬شكلت‭ ‬أولوية‭ ‬لطهران‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬والتي‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬نجحت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬بالخروج‭ ‬منها‭ ‬بكلفة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكبدتها‭ ‬أميركا‭.‬

لكن‭ ‬الاتفاق‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬للصراع‭ ‬فالطريق‭ ‬نحو‭ ‬اتفاق‭ ‬شامل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مليئاً‭ ‬بالعقبات‭ ‬أولها‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُحسم‭ ‬نهائياً،‭ ‬بل‭ ‬جرى‭ ‬ترحيله‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تفاوضية‭ ‬لاحقة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬قضايا‭ ‬النفوذ‭ ‬الإقليمي‭ ‬وبرامج‭ ‬الصواريخ‭ ‬والعلاقات‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء‭ ‬الإقليميين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تمثل‭ ‬نقاط‭ ‬خلاف‭ ‬عميقة‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭.‬

اقتصادياً،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬انكار‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬الأخبار‭ ‬السارة‭ ‬التي‭ ‬تلقتها‭ ‬الأوساق‭ ‬العالمية‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬شهر‭ ‬فيفري‭ ‬الماضي‭ ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬لازال‭ ‬مبكرا‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬تأثيره‭ ‬عليها‭ ‬الا‭ ‬أن‭ ‬الأثر‭ ‬الأول‭ ‬للاتفاق‭ ‬كان‭ ‬سريعاً‭ ‬وقد‭ ‬تجلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬البورصات‭ ‬العالمية‭ ‬وفي‭ ‬أسعار‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬استقبلت‭ ‬الخبر‭ ‬باعتباره‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬مخاطر‭ ‬الإمدادات‭ ‬وعودة‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

إن‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأميركي‭ ‬الإيراني‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إعلانا‭ ‬لنهاية‭ ‬الصراع‭ ‬فإنه‭ ‬يمثل‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭  ‬إدارة‭ ‬الخلافات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬نجاحه‭ ‬سيبقى‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بقدرة‭ ‬الطرفين‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬وقف‭ ‬التصعيد‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬مستدامة‭. ‬عدا‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬فشل‭ ‬المفاوضات‭ ‬اللاحقة‭ ‬أو‭ ‬تعثر‭ ‬عملية‭ ‬تنفيذ‭ ‬الالتزامات‭ ‬المتبادلة،‭ ‬قد‭ ‬يحوله‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬هدنة‭ ‬مؤقتة‭ ‬تسبق‭ ‬جولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الحوثيون‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬التصعيد‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬لأوسط إيران‭ ‬تعول‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الساحات

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كريمة‭ ‬دغراش في‭ ‬تطور‭ ‬جديد‭ ‬ولافت‭ ‬أعلن‭ ‬الحوثيون‭ ‬رسميا‭ ‬دخوله…