صفحة جديدة لدعم الاستثمار الفلاحي: المنصّة الرقمية لرخص الآبار العميقة تدخل حيز الاستغلال
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
شهدت الإدارة التونسية خلال السنوات الأخيرة توجهاً ملحوظا نحو رقمنة الخدمات الإدارية، في إطار تحسين جودة المرفق العمومي وتقليص البيروقراطية التي ظلت لعقود من أبرز العراقيل أمام المواطنين والمستثمرين ويأتي انطلاق العمل بالمنصة الرقمية الخاصة بإسناد رخص حفر الآبار العميقة مؤخرا ليشكل خطوة جديدة في هذا المسار، خاصة وأن قطاع الفلاحة يعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالإجراءات الإدارية التي تتطلب التنقل بين الإدارات وتجميع الوثائق وانتظار الردود لفترات قد تطول.
ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة في ظل تزايد الإقبال على الاستثمار الفلاحي، ولا سيما من قبل الشباب وحاملي الشهائد العليا والعاطلين عن العمل الذين أصبحوا ينظرون إلى الفلاحة باعتبارها مجالاً واعداً لبعث المشاريع وتحقيق الاستقلالية الاقتصادية. غير أن طول الإجراءات الإدارية وتعقدها يمثل في كثير من الأحيان عائقاً أمام انطلاق هذه المشاريع، وهو ما جعل رقمنة مسار الحصول على رخص الآبار مطلباً ملحاً.
وتوفر المنصة الرقمية الجديدة إمكانية إيداع مطالب الحصول على رخص حفر الآبار العميقة إلكترونياً، مع متابعة الملف في مختلف مراحله دون الحاجة إلى التنقل المتكرر بين الإدارات الجهوية والمركزية. كما أصبح بإمكان طالب الرخصة الاطلاع بشكل حيني على وضعية ملفه ومعرفة الملاحظات أو الاستكمالات المطلوبة عبر فضائه الرقمي، وهو ما يعزز الشفافية ويحد من حالة الغموض التي كانت ترافق معالجة الملفات في السابق.
ولا تقتصر أهمية المنصة على اختصار الزمن الإداري فحسب، بل تمتد أيضاً إلى تخفيف الأعباء المالية التي كانت تثقل كاهل طالبي الرخص. فالتنقل المتكرر بين الولايات أو إلى العاصمة، واستخراج نسخ ورقية متعددة من الوثائق، وتحمل مصاريف الإرسال والمتابعة، كلها تكاليف أصبحت قابلة للتقليص بفضل اعتماد المسار الرقمي.
ومن بين أبرز المكاسب المنتظرة كذلك تقليص عدد الوثائق المطلوبة، من خلال اعتماد التبادل الإلكتروني للمعطيات بين مختلف الإدارات والهياكل العمومية. فبدلاً من مطالبة المواطن بتقديم وثائق تمتلكها الإدارة أصلاً، يمكن للجهات المعنية تبادل المعلومات رقمياً، وهو ما يختصر الإجراءات ويكرس مبدأ الإدارة الذكية التي تضع المواطن والمستثمر في صدارة اهتماماتها.
كما ستساهم المنصة في تحسين التنسيق بين مختلف المصالح المتدخلة في دراسة مطالب الرخص، سواء على المستوى الجهوي أو المركزي، بما يسمح بتقليص آجال البت في الملفات وتسريع اتخاذ القرار، مع إمكانية تتبع كل مرحلة من مراحل المعالجة بشكل دقيق وشفاف.
ويُنتظر أن يكون لهذا التطور الإداري انعكاس مباشر على الاستثمار الفلاحي، خاصة في المناطق الداخلية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الموارد المائية الجوفية. فكلما تم تقليص آجال الحصول على التراخيص، تمكن المستثمر من الانطلاق سريعاً في إنجاز مشروعه، سواء تعلق الأمر بغراسة الأشجار المثمرة أو الزراعات السقوية أو مشاريع تربية الماشية التي تتطلب موارد مائية مستقرة.
وفي المقابل، يبقى نجاح هذه المنصة مرتبطا بتوفير بنية رقمية فعالة، وضمان سرعة معالجة الملفات، وتقديم المرافقة الفنية للمستثمرين الذين قد يواجه بعضهم صعوبات في استعمال الخدمات الرقمية، خاصة في المناطق الريفية. كما أن نجاح التجربة يقتضي مواصلة مراجعة الإجراءات الإدارية كلما دعت الحاجة، حتى لا تتحول الرقمنة إلى مجرد نقل للإجراءات التقليدية إلى الفضاء الإلكتروني دون تبسيطها فعلياً.
وتؤكد هذه الخطوة أن رقمنة الخدمات العمومية لم تعد مجرد خيار تقني، بل أصبحت رافعة حقيقية لتحسين مناخ الأعمال، ودعم الاستثمار، وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة. وإذا ما تم تعميم مثل هذه التجارب على بقية التراخيص والخدمات الإدارية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي، فإن ذلك سيساهم في بناء إدارة أكثر نجاعة ومرونة، قادرة على مواكبة التحولات الرقمية والاستجابة لتطلعات المستثمرين، وخاصة الشباب الباحثين عن فرص حقيقية لبناء مشاريعهم.
العمل الموسمي في الصيف: تلاميذ وطلبة يطاردون الدخل بدل الراحة
الصحافة اليوم:مصباح الجدي بمجرد إسدال الستار على الامتحانات الجامعية وبد…
