مسرحية اماذا لو؟ب لفتحي العكاري في عرضها الأخير بدار الثقافة ابن رشيق: حين يتحوّل الركح إلى مختبر لكتابة المسرح داخل المسرح
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
في أمسية الخميس 25 جوان، احتضنت دار الثقافة ابن رشيق عرض مسرحية اماذا لو؟ب للمخرج والباحث المسرحي فتحي العكاري، وهو عمل يندرج ضمن مشروع فني وبحثي يواصل صاحبه الاشتغال عليه منذ سنوات، ساعيًا إلى إعادة الاعتبار للمسرح بوصفه فضاءً للتفكير والتكوين، لا مجرد وسيلة للفرجة. فالعرض لا يقترح حكاية مكتملة بقدر ما يفتح أمام المتفرج ورشة حية تُصنع فيها الشخصيات، وتُختبر فيها اللغة المسرحية، وتُعاد مساءلة علاقة الممثل بنفسه وبالركح وبالعالم.
منذ اللحظات الأولى، يعلن العمل انحيازه إلى مسرح الأسئلة لا مسرح الأجوبة. فـاماذا لو؟ب ليست مجرد عبارة افتراضية، بل هي المحرّك الدرامي الذي يضع الإنسان في مواجهة اختياراته المؤجلة ومساراته الممكنة، ويستدعي ذلك السؤال القديم المتجدد: ماذا كان سيحدث لو اخترنا طريقًا آخر؟ ومن هذا السؤال البسيط ظاهريًا، يبني العكاري عرضًا يتجاوز السرد التقليدي ليصبح تمرينًا فلسفيًا على مراجعة الذات، واستكشاف ما يختبئ داخل الذاكرة والهواجس والأحلام.
المسرح داخل المسرح… كتابة تُولد أمام الجمهور
من أهم رهانات هذا العمل اعتماده تقنية االمسرح داخل المسرحب أو الميتامسرح، حيث يصبح فعل الكتابة نفسه موضوعًا للعرض. فالمخرج حاضر داخل اللعبة المسرحية، والممثلون لا يكتفون بأداء الشخصيات، بل يكشفون أيضًا عن آليات بنائها، فتتحول الخشبة إلى مختبر حيّ تتداخل فيه الكتابة والإخراج والارتجال والبحث.
ولا يسعى العرض إلى إنتاج وهم الواقع، بل إلى مساءلة صناعة هذا الوهم، كاشفًا للمتفرج ما يحدث خلف الشخصية وخلف النص. لذلك تتجاور المونولوغات مع الحوارات، وتمتزج الرواية بالسرد والاستذكار، بينما تتوالى الشخصيات، غالبًا بلا أسماء، باعتبارها نماذج إنسانية أكثر منها أفرادًا بعينهم. إنها شخصيات تحمل أوجاع جيل يعيش ارتباكًا وجوديًا، ويبحث عن الحب والحرية والمساواة في عالم يزداد تعقيدًا.
مختبر بيداغوجي قبل أن يكون عرضًا مسرحيًا
غير أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع تكمن في طبيعته التكوينية. فـاماذا لو؟ب ليس عرضًا نهائيًا بقدر ما هو نتيجة مسار من البحث مع مجموعة من طلبة المسرح الذين يخضعون لتجربة تدريبية تقوم على استكشاف قدرات الممثل النفسية والجسدية والتعبيرية. فالعرض يتحول إلى فضاء لاختبار التداعي الحر والاعتراف والانفجار الداخلي، وهي أدوات أصبحت اليوم من أهم مرتكزات التكوين المسرحي المعاصر.
ولعل ما يميز تجربة فتحي العكاري أنه لا يفصل بين البحث الأكاديمي والممارسة الركحية. فالممثل هنا ليس منفذًا لنص جاهز، وإنما شريك في إنتاجه، والكتابة نفسها تظل مفتوحة على احتمالات التطوير والتعديل وفق ما يكشفه التمرين المسرحي من طاقات جديدة. ومن هنا تكتسب التجربة بعدها البيداغوجي، إذ تجعل من العرض نفسه فضاءً للتعلّم واكتشاف أدوات التعبير.
رهان على مسرح مستقل يقاوم الاستسهال
يندرج هذا العمل أيضًا ضمن المشروع الذي دأب العكاري على الدفاع عنه في المسرح المستقل، والقائم على مقاومة الأشكال الجاهزة والفرجة الاستهلاكية، مقابل البحث عن لغة ركحية جديدة أكثر قدرة على مساءلة الإنسان المعاصر. فالرؤية الإخراجية التي يشتغل عليها، والمعروفة باقترابها من فلسفة افن الكاووسب، تقوم على تفكيك القوالب الكلاسيكية وإعادة تركيبها في صور مشهدية متحررة، تستثمر الإضاءة والظلمة والإيقاع والسينوغرافيا بوصفها عناصر درامية لا مجرد وسائل تقنية.
وفي هذا السياق، لا تبدو التجربة منفصلة عن مسار المخرج في تأسيس فضاءات بديلة للعرض والتكوين، بما يجعل المسرح فعلًا ثقافيًا يوميًا قادرًا على الوصول إلى جمهور أوسع، وكسر مركزية المؤسسات التقليدية.
لا يطمح عرض اماذا لو؟ب إلى تقديم إجابات نهائية، وإنما يراهن على إبقاء السؤال مفتوحًا. وهذا ربما ما يمنحه قيمته الفنية والبحثية في آن واحد. فهو عمل يذكّر بأن المسرح لا يزال قادرًا على أن يكون مختبرًا للأفكار، ومدرسة لتكوين الممثل، وفضاءً لاختبار أشكال جديدة من الكتابة الركحية. تبدو هذه المبادرات وسط مشهد مسرحي يطغى عليه في كثير من الأحيان هاجس الإنتاج السريع، ضرورية لإعادة الاعتبار إلى المسرح باعتباره فعلًا معرفيًا وجماليًا في الوقت نفسه؛ فعلًا يجعل من الخشبة مكانًا للتفكير، ومن الممثل باحثًا، ومن العرض ورشة مفتوحة لا تتوقف عند إسدال الستار.
الملتقى الثقافي الحرّ بالحمامات: لقاءات حول الأدب والتنوير في ذكرى رحيل”عز الدّين المعروفي”
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي في زمن تتكاثر فيه التظاهرات الثقافية العابر…
