2026-06-29

الكاتب‭ ‬التونسي‭ “‬فهمي‭ ‬البلطي‭” ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬أدبي‭ ‬بالمدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬بسوسة‭:‬ حوار‭ ‬حول‭ ‬رواية‭” ‬دم‭ ‬سيـّئ‭” ‬المتوّجة‭ ‬بجائزة‭ ‬لجنة‭ ‬تحكيم‭ ‬جوائز‭ ‬كومار

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

‭ ‬تواصل‭ ‬مدينة‭ ‬سوسة‭ ‬تعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬التونسي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المبادرات‭ ‬المدنية‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬والقراءة‭ ‬بوصفهما‭ ‬فعلين‭ ‬ثقافيين‭ ‬مقاومين‭ ‬للنسيان‭ ‬والعزلة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تنظّم‭ ‬جمعية‭ ‬عشّاق‭ ‬الكتب‭ ‬بسوسة،‭ ‬يوم‭ ‬غد‭ ‬الأحد‭ ‬28‭ ‬جوان‭ ‬الجاري‭ ‬بفضاء‭ ‬دار‭ ‬بابا‭ ‬بالمدينة‭ ‬العتيقة،‭ ‬لقاءً‭ ‬أدبيًا‭ ‬مع‭ ‬الروائي‭ ‬التونسي‭ ‬فهمي‭ ‬البلطي‭ ‬لمناقشة‭ ‬روايته‭ ‬ادم‭ ‬سيّئب،‭ ‬الصادرة‭ ‬مطلع‭ ‬السنة‭ ‬الحالية‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬كابصا‭ ‬للنشر،‭ ‬والتي‭ ‬تُوّجت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬بجائزة‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬في‭ ‬الكومار‭ ‬الأدبي‭.‬

‭ ‬ويكتسي‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬القيمة‭ ‬الأدبية‭ ‬للرواية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬لأنه‭ ‬يتيح‭ ‬للقراء‭ ‬فرصة‭ ‬الحوار‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأصوات‭ ‬السردية‭ ‬التونسية‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تنحت‭ ‬مشروعها‭ ‬الأدبي‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأضواء،‭ ‬معتمدة‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الكتابة‭ ‬وجدية‭ ‬الرؤية‭. ‬

كاتب‭ ‬ينصت‭ ‬إلى‭ ‬هشاشة‭ ‬الإنسان

ينتمي‭ “‬فهمي‭ ‬البلطي‭” ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬من‭ ‬الروائيين‭ ‬الذين‭ ‬جعلوا‭ ‬من‭ ‬الرواية‭ ‬فضاءً‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر،‭ ‬في‭ ‬قلقه‭ ‬الوجودي‭ ‬وتصدعاته‭ ‬النفسية‭ ‬وعلاقته‭ ‬المربكة‭ ‬بالعالم‭. ‬وفي‭ ‬أعماله‭ ‬السردية‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬الكاتب‭ ‬عن‭ ‬الحكاية‭ ‬بمعناها‭ ‬التقليدي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ينقب‭ ‬في‭ ‬الطبقات‭ ‬العميقة‭ ‬للشخصيات،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاور‭ ‬الرغبات‭ ‬والهواجس‭ ‬والخيبات‭ ‬والأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالحياة‭ ‬والموت‭ ‬والحرية‭. ‬وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬الخصوصية‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬ادم‭ ‬سيّئب‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬امتدادًا‭ ‬لهذا‭ ‬الانشغال‭ ‬المستمر‭ ‬بالنفس‭ ‬البشرية،‭ ‬لكنها‭ ‬تذهب‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬أكثر‭ ‬عتمة‭ ‬وأكثر‭ ‬جرأة‭ ‬في‭ ‬استكشاف‭ ‬ما‭ ‬يختبئ‭ ‬خلف‭ ‬الأقنعة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمهنية‭. ‬

طبيب‭ ‬يطارده‭ ‬الموتى

تتمحور‭ ‬الرواية‭ ‬حول‭ ‬شخصية‭ “‬سديم‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬طبيب‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬منهكًا‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬ما‭ ‬راكمه‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬إنسانية‭ ‬مؤلمة‭. ‬يحاول‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬عطلة‭ ‬مرضية‭ ‬طويلة‭ ‬عبر‭ ‬استشارة‭ ‬طبيب‭ ‬نفسي،‭ ‬وكأنه‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬هدنة‭ ‬مؤقتة‭ ‬مع‭ ‬العالم،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المحاولة‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬داخلية‭ ‬شاقة‭. ‬فبدل‭ ‬أن‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬أشباحه،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬محاصرًا‭ ‬بها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬المرضى‭ ‬الذين‭ ‬مروا‭ ‬بحياته،‭ ‬المنتحرون‭ ‬الذين‭ ‬تركوا‭ ‬آثارهم‭ ‬في‭ ‬ذاكرته،‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬أحبهن‭ ‬أو‭ ‬خسرهن،‭ ‬جميعهم‭ ‬يعودون‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬صور‭ ‬واستعادات‭ ‬وهلوسات‭ ‬تقتحم‭ ‬وعيه‭ ‬وتدفعه‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬ذاته‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تنبع‭ ‬فرادة‭ ‬النص؛‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بسرد‭ ‬الأحداث،‭ ‬بل‭ ‬يحوّل‭ ‬الذاكرة‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬روائي‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الأزمنة‭ ‬وتتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الأصوات،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سردي‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬والهذيان‭ ‬المنظم‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬الحكاية‭ ‬التقليدية‭.‬

رواية‭ ‬ضد‭ ‬السرد‭ ‬المألوف

‭ ‬تكمن‭ ‬طرافة‭ ‬ادم‭ ‬سيّئب‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬النماذج‭ ‬السردية‭ ‬الجاهزة‭. ‬فالقارئ‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬حبكة‭ ‬مستقيمة‭ ‬أو‭ ‬أحداث‭ ‬متتابعة‭ ‬بوضوح،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬نسيج‭ ‬لغوي‭ ‬كثيف‭ ‬تتجاور‭ ‬فيه‭ ‬الصور‭ ‬الشعرية‭ ‬والتأملات‭ ‬الفلسفية‭ ‬والاستبطانات‭ ‬النفسية‭. ‬وتطرح‭ ‬الرواية‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬الحرية‭ ‬وحدود‭ ‬المسؤولية‭ ‬وثقل‭ ‬الذاكرة‭ ‬وهشاشة‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭. ‬كما‭ ‬تستثمر‭ ‬خبرة‭ ‬الشخصية‭ ‬الطبية‭ ‬لتفكيك‭ ‬العلاقة‭ ‬المعقدة‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والموت،‭ ‬وبين‭ ‬الجسد‭ ‬وما‭ ‬يعتمل‭ ‬داخله‭ ‬من‭ ‬انكسارات‭ ‬خفية‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬التأملي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الرواية‭ ‬تحظى‭ ‬باهتمام‭ ‬نقدي‭ ‬واسع،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنال‭ ‬تتويجًا‭ ‬مهمًا‭ ‬ضمن‭ ‬جوائز‭ ‬الكومار،‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬مكانتها‭ ‬ضمن‭ ‬أبرز‭ ‬الإصدارات‭ ‬الروائية‭ ‬التونسية‭ ‬لهذا‭ ‬العام‭. ‬

القراءة‭ ‬بوصفها‭ ‬حوارًا‭ ‬حيًا

و‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬الموعد‭ ‬الثقافي‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬رواية‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بكاتب‭ ‬متوج،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬مناسبة‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لفعل‭ ‬القراءة‭ ‬نفسه،‭ ‬باعتباره‭ ‬حوارًا‭ ‬حيًا‭ ‬بين‭ ‬الكاتب‭ ‬وقرائه‭. ‬كما‭ ‬تكشف‭ ‬مبادرة‭ ‬جمعية‭ ‬عشّاق‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬نسخ‭ ‬من‭ ‬الرواية،‭ ‬رغم‭ ‬غيابها‭ ‬عن‭ ‬مكتبات‭ ‬سوسة،‭ ‬عن‭ ‬إيمان‭ ‬حقيقي‭ ‬بأهمية‭ ‬تقريب‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬جمهوره‭. ‬وبذلك‭ ‬يبدو‭ ‬لقاء‭ ‬ادم‭ ‬سيّئب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬جلسة‭ ‬نقاش‭ ‬أدبي؛‭ ‬إنه‭ ‬دعوة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬رواية‭ ‬تجرؤ‭ ‬على‭ ‬اقتحام‭ ‬المناطق‭ ‬الهشة‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وفرصة‭ ‬للقاء‭ ‬كاتب‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬أداة‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬بشرًا‭ ‬وهو‭ ‬الحب،‭ ‬والخسارة،‭ ‬والذاكرة،‭ ‬والموت‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مسرحية‭ ‬اماذا‭ ‬لو؟ب‭ ‬لفتحي‭ ‬العكاري‭ ‬في‭ ‬عرضها‭ ‬الأخير‭ ‬بدار‭ ‬الثقافة‭ ‬ابن‭ ‬رشيق‭:‬ حين‭ ‬يتحوّل‭ ‬الركح‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬لكتابة‭ ‬المسرح‭ ‬داخل‭ ‬المسرح

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي في‭ ‬أمسية‭ ‬الخميس‭ ‬25‭ ‬جوان،‭ ‬احتضنت‭ ‬دار‭ ‬الثقا…