2026-06-29

الملتقى‭ ‬الثقافي‭ ‬الحرّ‭  ‬بالحمامات‭:‬ لقاءات‭ ‬حول‭ ‬الأدب‭ ‬والتنوير‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬رحيل‭”‬عز‭ ‬الدّين‭ ‬المعروفي‭”‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

في‭ ‬زمن‭ ‬تتكاثر‭ ‬فيه‭ ‬التظاهرات‭ ‬الثقافية‭ ‬العابرة‭ ‬وتغيب‭ ‬فيه‭ ‬أحيانًا‭ ‬المساحات‭ ‬الحقيقية‭ ‬للنقاش‭ ‬الفكري‭ ‬الجاد،‭ ‬يواصل‭ ‬الملتقى‭ ‬الثقافي‭ ‬الحرّ‭ ‬تأكيد‭ ‬حضوره‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬المواعيد‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬الكلمة‭ ‬والمعرفة‭ ‬والحوار‭. ‬و‭ ‬قد‭ ‬إنعقد‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬يوم‭ ‬26‭ ‬جوان‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬دورته‭ ‬الخامسة،‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬الأديب‭ ‬والمفكر‭ ‬الراحل‭ ‬عزّ‭ ‬الدين‭ ‬المعروفي،‭ ‬لتجمع‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الكتّاب‭ ‬والباحثين‭ ‬والمثقفين‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬يحتفي‭ ‬بالفكر‭ ‬الحرّ‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬مجالًا‭ ‬للتفاعل‭ ‬الحيّ‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأجيال‭ ‬والتجارب‭.‬

وإكتست‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الأسماء‭ ‬المشاركة‭ ‬فيها،‭ ‬إذ‭ ‬إستضافت‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬الفكرية‭ ‬والأدبية‭ ‬المعروفة‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬التونسية،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬علياء‭ ‬الحجاجي‭ ‬والجازية‭ ‬الهمامي‭ ‬ولمياء‭ ‬قفناق‭ ‬ونور‭ ‬الهدى‭ ‬باديس‭ ‬وسلوى‭ ‬البحري‭ ‬وعفاف‭ ‬السمعلي‭ ‬وماجدة‭ ‬الظاهري‭ ‬وسوسن‭ ‬العوني‭ ‬وبسمة‭ ‬درويش،‭ ‬وهي‭ ‬أسماء‭ ‬تمثل‭ ‬حقولًا‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬والبحث‭ ‬والإبداع،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬ثراء‭ ‬النقاش‭ ‬وتعدد‭ ‬زوايا‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬القضايا‭ ‬الثقافية‭ ‬والأدبية‭ ‬المطروحة‭.‬

الثقافة‭ ‬بوصفها‭ ‬ممارسة‭ ‬حرّة

ما‭ ‬يميز‭ ‬الملتقى‭ ‬الثقافي‭ ‬الحرّ‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬انتظامه‭ ‬واستمراريته،‭ ‬بل‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسه‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بعرض‭ ‬التجارب‭ ‬الأدبية‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬الإصدارات‭ ‬الجديدة،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬والجمهور،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الرسميات‭ ‬الثقيلة‭ ‬أو‭ ‬الخطابات‭ ‬الجاهزة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬صفة‭ “‬الحرّ‭” ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬الملتقى‭ ‬عنوانًا‭ ‬وشعارًا،‭ ‬باعتبارها‭ ‬إحالة‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬التفكير‭ ‬والتعبير‭ ‬وتبادل‭ ‬الآراء‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬والبحث‭ ‬المشترك‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭.‬

لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬ضرورية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬العالم‭ ‬اليوم،‭ ‬حيث‭ ‬تواجه‭ ‬الثقافة‭ ‬تحديات‭ ‬عديدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتراجع‭ ‬القراءة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبهيمنة‭ ‬المحتوى‭ ‬السريع‭ ‬والاستهلاك‭ ‬الرقمي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬تنظيم‭ ‬ملتقيات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬يكتسب‭ ‬قيمة‭ ‬مضاعفة،‭ ‬لأنه‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للقاء‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬والمتلقي‭ ‬ويمنح‭ ‬الكلمة‭ ‬فرصة‭ ‬لاستعادة‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العام‭.‬

وفاء‭ ‬لذاكرة‭ ‬عزّ‭ ‬الدين‭ ‬المعروفي

اختيار‭ ‬اسم‭ ‬الأديب‭ ‬عزّ‭ ‬الدين‭ ‬المعروفي‭ ‬لهذه‭ ‬الدورة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬التفاتة‭ ‬رمزية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الثقافية‭ ‬الوطنية‭ ‬وربط‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬بأسماء‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬المشهد‭ ‬الفكري‭ ‬والأدبي‭ ‬التونسي‭. ‬فالثقافة‭ ‬لا‭ ‬تتطور‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬جسورها‭ ‬مع‭ ‬الماضي،‭ ‬وتحوّل‭ ‬رموزها‭ ‬الفكرية‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬للحاضر‭ ‬والمستقبل‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يبدو‭ ‬الملتقى‭ ‬وكأنه‭ ‬مساحة‭ ‬مزدوجة‭ ‬الوظيفة‭: ‬فهو‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬الأصوات‭ ‬الجديدة‭ ‬والتجارب‭ ‬المعاصرة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يستعيد‭ ‬أسماء‭ ‬وشخصيات‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية،‭ ‬بما‭ ‬يرسّخ‭ ‬مفهوم‭ ‬الاستمرارية‭ ‬الثقافية‭ ‬ويمنع‭ ‬انقطاع‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭.‬

من‭ ‬التظاهرة‭ ‬إلى‭ ‬المشروع‭ ‬الثقافي

تكمن‭ ‬طرافة‭ ‬الملتقى‭ ‬الثقافي‭ ‬الحرّ‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬الثقافة‭ ‬بوصفها‭ ‬احتفالًا‭ ‬مناسباتيًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬مشروعًا‭ ‬مجتمعيًا‭ ‬متواصلًا‭. ‬فنجاح‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الحضور‭ ‬أو‭ ‬الجلسات‭ ‬المنظمة‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬تقاليد‭ ‬ثقافية‭ ‬جديدة‭ ‬وتشجيع‭ ‬النقاش‭ ‬الحرّ‭ ‬وإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لدور‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭.‬

ومع‭ ‬بلوغه‭ ‬دورته‭ ‬الخامسة،‭ ‬يبدو‭ ‬الملتقى‭ ‬الثقافي‭ ‬الحرّ‭ ‬وكأنه‭ ‬يرسّخ‭ ‬مكانته‭ ‬تدريجيًا‭ ‬ضمن‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬التونسي،‭ ‬باعتباره‭ ‬فضاءً‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬بدل‭ ‬الاستعراض،‭ ‬وعلى‭ ‬المعرفة‭ ‬بدل‭ ‬الضجيج،‭ ‬وعلى‭ ‬بناء‭ ‬جمهور‭ ‬قارئ‭ ‬ومشارك‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بجمهور‭ ‬متفرج‭. ‬وهي‭ ‬رهانات‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬موعد‭ ‬26‭ ‬جوان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تظاهرة‭ ‬ثقافية،‭ ‬بل‭ ‬خطوة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬بأن‭ ‬الثقافة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬المعنى‭ ‬وتوسيع‭ ‬أفق‭ ‬الحرية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مسرحية‭ ‬اماذا‭ ‬لو؟ب‭ ‬لفتحي‭ ‬العكاري‭ ‬في‭ ‬عرضها‭ ‬الأخير‭ ‬بدار‭ ‬الثقافة‭ ‬ابن‭ ‬رشيق‭:‬ حين‭ ‬يتحوّل‭ ‬الركح‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬لكتابة‭ ‬المسرح‭ ‬داخل‭ ‬المسرح

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي في‭ ‬أمسية‭ ‬الخميس‭ ‬25‭ ‬جوان،‭ ‬احتضنت‭ ‬دار‭ ‬الثقا…