على ركح مسرح البحر ألفريدو رودريغيز يعزف روح الجاز في طبرقة
الصحافة اليوم : ريـم قـيدوز
ثمة مدن لا تكتفي باحتضان الموسيقى بل تبدو وكأنها خلقت لها، و مدينة طبرقة تتعانق فيها زرقة المتوسط مع خضرة الغابات وتنتصب صخورها الشاهقة شاهدة على قرون من التاريخ ..هي واحدة من تلك المدن التي تمنح النغمات معنى آخر للجمال.. ففي هذا الفضاء الطبيعي افتتح يوم الجمعة 03 جويلية 2026 مهرجان الجاز بطبرقة عروضه الرئيسية في دورته العشرين بسهرة استثنائية أحياها عازف البيانو الكوبي ألفريدو رودريغيز الذي يعتبر أحد أبرز الأسماء في مشهد الجاز العالمي في لقاء بدا فيه البحر شريكا في العرض لا مجرد خلفية للمسرح.
وبحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي إلى جانب جمهور غفير من محبي الجاز وضيوف المهرجان اعتلى رودريغيز ركح مسرح البحر حيث امتزج صوت البيانو بهدير الأمواج ونسائم المتوسط في مشهد اختزل خصوصية هذا المهرجان الذي ظل منذ تأسيسه يراهن على جمال المكان بقدر رهانه على جودة الموسيقى.
لم يحتج الفنان الكوبي إلى كثير من الكلمات، فمنذ اللمسات الأولى على مفاتيح البيانو كانت الموسيقى تتولى مهمة السرد.. عزف يجمع بين الرهافة والقوة وبين الصمت والانفجار الإيقاعي في أداء جعل الآلة الموسيقية تبدو امتدادا لروح عازفها، أما الارتجال وهو جوهر موسيقى الجاز فقد بدا حاضرا في كل لحظة من العرض يفتح مسارات جديدة للحوار بين البيانو وبقية أفراد الفرقة ويمنح كل مقطوعة شخصيتها المتفردة.
ولم يكن الجمهور بعيدا عن هذه الرحلة الموسيقية، فقد دعا رودريغيز الحاضرين إلى مشاركة الإيقاع بالتصفيق لتتلاشى المسافة بين الخشبة والمدرجات وتتحول الأمسية إلى تجربة جماعية استعاد فيها الجاز إحدى أهم خصائصه أن يكون فنا للحوار، ولحظة إنسانية تتقاسمها الأرواح قبل الآذان.
وينتمي ألفريدو رودريغيز إلى جيل جديد من الموسيقيين الذين أعادوا تقديم الجاز من خلال انفتاحه على ثقافات متعددة. ولد في هافانا سنة1985 وسط عائلة موسيقية وبرزت موهبته منذ سنواته الأولى قبل أن يلفت الأنظار خلال مشاركته في مهرجان مونترو للجاز، حيث اكتشفه المنتج والأسطورة الموسيقية كوينسي جونز، الذي رأى فيه موهبة استثنائية، فدعمه في بداية مسيرته الدولية. ومنذ ذلك الحين أصبح رودريغيز من أبرز سفراء الموسيقى الكوبية المعاصرة، متنقلا بين أهم المسارح العالمية، ومقدما مشروعا موسيقيا يمزج بين الإرث الكوبي والجاز الأمريكي والموسيقى اللاتينية والكلاسيكية في لغة فنية لا تعترف بالحدود.
وفي طبرقة، اختار الفنان أن يقدم مقطوعات من مشروعه اCoral Wayب، المستوحى من أحد أشهر شوارع مدينة ميامي، حيث تتجاور الثقافات والهويات. فجاءت الموسيقى انعكاسا لهذه الفكرة رحلة تعبر بين السالسا والبوليرو والباتشاتا والجاز دون أن تفقد وحدتها أو روحها مؤكدة أن الموسيقى مثل المدن الكبرى تتسع لاختلافاتها وتزدهر بها.
وفي عامه العشرين يؤكد مهرجان الجاز بطبرقة أنه ليس مجرد موعد سنوي لعشاق هذا اللون الموسيقي بل مشروع ثقافي متواصل يراهن على الانفتاح والحوار وتبادل التجارب. وبين فنانين قدموا من جهات مختلفة من العالم ومدينة لا تزال تحتفظ بسحرها الطبيعي وذاكرتها الفنية، تتجدد الحكاية كل صيف هنا.. في أقصى الشمال الغربي لتونس لا يعزف الجاز فوق الركح فقط بل يتردد صداه بين البحر والجبل ويجد في طبرقة فضاء يليق بحريته كما لو أن المدينة نفسها كتبت نوتتها الخاصة منذ زمن بعيد وما تزال تعيد عزفها مع كل دورة جديدة.
