2026-07-11

على‭ ‬ركح‭ ‬مسرح‭ ‬البحر ألفريدو‭ ‬رودريغيز‭ ‬يعزف‭ ‬روح‭ ‬الجاز‭ ‬في‭ ‬طبرقة

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬ريـم‭ ‬قـيدوز‭ ‬

ثمة‭ ‬مدن‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬باحتضان‭ ‬الموسيقى‭ ‬بل‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬خلقت‭ ‬لها،‭ ‬و‭ ‬مدينة‭ ‬طبرقة‭  ‬تتعانق‭ ‬فيها‭ ‬زرقة‭ ‬المتوسط‭ ‬مع‭ ‬خضرة‭ ‬الغابات‭ ‬وتنتصب‭ ‬صخورها‭ ‬الشاهقة‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ..‬هي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬النغمات‭ ‬معنى‭ ‬آخر‭ ‬للجمال‭.. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الطبيعي‭  ‬افتتح‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬03‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬مهرجان‭ ‬الجاز‭ ‬بطبرقة‭ ‬عروضه‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬دورته‭ ‬العشرين‭ ‬بسهرة‭  ‬استثنائية‭ ‬أحياها‭ ‬عازف‭ ‬البيانو‭ ‬الكوبي‭ ‬ألفريدو‭ ‬رودريغيز‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأسماء‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬الجاز‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬بدا‭ ‬فيه‭ ‬البحر‭ ‬شريكا‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬خلفية‭ ‬للمسرح‭.‬

وبحضور‭ ‬وزيرة‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬أمينة‭ ‬الصرارفي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جمهور‭ ‬غفير‭ ‬من‭ ‬محبي‭ ‬الجاز‭ ‬وضيوف‭ ‬المهرجان‭ ‬اعتلى‭ ‬رودريغيز‭ ‬ركح‭ ‬مسرح‭ ‬البحر‭ ‬حيث‭ ‬امتزج‭ ‬صوت‭ ‬البيانو‭ ‬بهدير‭ ‬الأمواج‭ ‬ونسائم‭ ‬المتوسط‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬اختزل‭ ‬خصوصية‭ ‬هذا‭ ‬المهرجان‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسه‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬جمال‭ ‬المكان‭ ‬بقدر‭ ‬رهانه‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الموسيقى‭.‬

لم‭ ‬يحتج‭ ‬الفنان‭ ‬الكوبي‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬فمنذ‭ ‬اللمسات‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬مفاتيح‭ ‬البيانو‭ ‬كانت‭ ‬الموسيقى‭ ‬تتولى‭ ‬مهمة‭ ‬السرد‭.. ‬عزف‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الرهافة‭ ‬والقوة‭ ‬وبين‭ ‬الصمت‭ ‬والانفجار‭ ‬الإيقاعي‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬جعل‭ ‬الآلة‭ ‬الموسيقية‭ ‬تبدو‭ ‬امتدادا‭ ‬لروح‭ ‬عازفها،‭ ‬أما‭ ‬الارتجال‭ ‬وهو‭ ‬جوهر‭ ‬موسيقى‭ ‬الجاز‭ ‬فقد‭ ‬بدا‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬العرض‭ ‬يفتح‭ ‬مسارات‭ ‬جديدة‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬البيانو‭ ‬وبقية‭ ‬أفراد‭ ‬الفرقة‭ ‬ويمنح‭ ‬كل‭ ‬مقطوعة‭ ‬شخصيتها‭ ‬المتفردة‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬الجمهور‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الموسيقية،‭ ‬فقد‭ ‬دعا‭ ‬رودريغيز‭ ‬الحاضرين‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬الإيقاع‭ ‬بالتصفيق‭ ‬لتتلاشى‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الخشبة‭ ‬والمدرجات‭ ‬وتتحول‭ ‬الأمسية‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬جماعية‭ ‬استعاد‭ ‬فيها‭ ‬الجاز‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬خصائصه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فنا‭ ‬للحوار،‭ ‬ولحظة‭ ‬إنسانية‭ ‬تتقاسمها‭ ‬الأرواح‭ ‬قبل‭ ‬الآذان‭.‬

وينتمي‭ ‬ألفريدو‭ ‬رودريغيز‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الموسيقيين‭ ‬الذين‭ ‬أعادوا‭ ‬تقديم‭ ‬الجاز‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انفتاحه‭ ‬على‭ ‬ثقافات‭ ‬متعددة‭. ‬ولد‭ ‬في‭ ‬هافانا‭ ‬سنة1985‭ ‬وسط‭ ‬عائلة‭ ‬موسيقية‭ ‬وبرزت‭ ‬موهبته‭ ‬منذ‭ ‬سنواته‭ ‬الأولى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يلفت‭ ‬الأنظار‭ ‬خلال‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬مونترو‭ ‬للجاز،‭ ‬حيث‭ ‬اكتشفه‭ ‬المنتج‭ ‬والأسطورة‭ ‬الموسيقية‭ ‬كوينسي‭ ‬جونز،‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬موهبة‭ ‬استثنائية،‭ ‬فدعمه‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬مسيرته‭ ‬الدولية‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬أصبح‭ ‬رودريغيز‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬سفراء‭ ‬الموسيقى‭ ‬الكوبية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬متنقلا‭ ‬بين‭ ‬أهم‭ ‬المسارح‭ ‬العالمية،‭ ‬ومقدما‭ ‬مشروعا‭ ‬موسيقيا‭ ‬يمزج‭ ‬بين‭ ‬الإرث‭ ‬الكوبي‭ ‬والجاز‭ ‬الأمريكي‭ ‬والموسيقى‭ ‬اللاتينية‭ ‬والكلاسيكية‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬فنية‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بالحدود‭.‬

وفي‭ ‬طبرقة،‭ ‬اختار‭ ‬الفنان‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬مقطوعات‭ ‬من‭ ‬مشروعه‭ ‬اCoral Wayب،‭ ‬المستوحى‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬شوارع‭ ‬مدينة‭ ‬ميامي،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاور‭ ‬الثقافات‭ ‬والهويات‭. ‬فجاءت‭ ‬الموسيقى‭ ‬انعكاسا‭ ‬لهذه‭ ‬الفكرة‭ ‬رحلة‭ ‬تعبر‭ ‬بين‭ ‬السالسا‭ ‬والبوليرو‭ ‬والباتشاتا‭ ‬والجاز‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬وحدتها‭ ‬أو‭ ‬روحها‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬الموسيقى‭ ‬مثل‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬تتسع‭ ‬لاختلافاتها‭ ‬وتزدهر‭ ‬بها‭.‬

وفي‭ ‬عامه‭ ‬العشرين‭ ‬يؤكد‭ ‬مهرجان‭ ‬الجاز‭ ‬بطبرقة‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬موعد‭ ‬سنوي‭ ‬لعشاق‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬الموسيقي‭ ‬بل‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬متواصل‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬الانفتاح‭ ‬والحوار‭ ‬وتبادل‭ ‬التجارب‭. ‬وبين‭ ‬فنانين‭ ‬قدموا‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬ومدينة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتفظ‭ ‬بسحرها‭ ‬الطبيعي‭ ‬وذاكرتها‭ ‬الفنية،‭ ‬تتجدد‭ ‬الحكاية‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬هنا‭.. ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي‭ ‬لتونس‭ ‬لا‭ ‬يعزف‭ ‬الجاز‭ ‬فوق‭ ‬الركح‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يتردد‭ ‬صداه‭ ‬بين‭ ‬البحر‭ ‬والجبل‭ ‬ويجد‭ ‬في‭ ‬طبرقة‭ ‬فضاء‭ ‬يليق‭ ‬بحريته‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭ ‬كتبت‭ ‬نوتتها‭ ‬الخاصة‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬تعيد‭ ‬عزفها‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬جديدة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

      اليالي‭ ‬العبدليةب‭ ‬تفتتح‭ ‬دورتها‭ ‬العاشرة ستة‭ ‬مواعيد‭ ‬فنية‭ ‬ت…