2026-07-24

شريط‭ “‬الأوديساب‭ ‬في‭ ‬عرضه‭ ‬التجاري‭ ‬بالقاعات‭ ‬التونسية‭:‬ كيف‭ ‬تحوّل‭ ‬نص‭ ‬عمره‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭ ‬إلى‭ ‬حدث‭ ‬سينمائي‭ ‬عالمي

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

ليست‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬تُحدث‭ ‬ضجة‭ ‬قبل‭ ‬عرضها‭ ‬قليلة،‭ ‬لكن‭ ‬النادر‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬فيلم‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الضجة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يشاهده‭ ‬النقاد‭ ‬والجمهور‭ ‬معا‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حققه‭ ‬فيلم‭ ‬االأوديساب‭ ‬للمخرج‭ ‬البريطاني‭ ‬كريستوفر‭ ‬نولان،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يقدّم‭ ‬اقتباسا‭ ‬جديدا‭ ‬لملحمة‭ ‬هوميروس‭ ‬الشهيرة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬كتابة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الحكايات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بلغة‭ ‬السينما‭ ‬المعاصرة،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬الأساطير‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تشيخ،‭ ‬وإنما‭ ‬تتغيّر‭ ‬طرق‭ ‬سردها‭.‬

منذ‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬المشروع،‭ ‬بدا‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ “‬نولان‭” ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬فيلم‭ ‬مغامرات‭ ‬تاريخي‭ ‬يزاحم‭ ‬إنتاجات‭ ‬هوليوود‭ ‬الضخمة،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬السينما‭ ‬بوصفها‭ ‬فنا‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الإبهار‭ ‬البصري‭ ‬والعمق‭ ‬الفكري‭. ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬يلتقي‭ ‬معظم‭ ‬النقاد،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬مدارسهم،‭ ‬عند‭ ‬فكرة‭ ‬واحدة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬االأوديساب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬فيلم‭ ‬ناجح،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬استثنائية‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬معنى‭ ‬الفيلم‭ ‬الملحمي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

الرحلة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الوصول

أكثر‭ ‬ما‭ ‬استوقف‭ ‬النقاد‭ ‬هو‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تعامل‭ ‬بها‭ “‬نولان‭” ‬مع‭ ‬شخصية‭ ‬أوديسيوس‭. ‬فالبطل‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬باعتباره‭ ‬المحارب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقهر،‭ ‬بل‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬أنهكته‭ ‬الحروب،‭ ‬وأصبح‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬بقدر‭ ‬بحثه‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭.‬

لقد‭ ‬تحوّلت‭ ‬الرحلة‭ ‬الطويلة‭ ‬بين‭ ‬الجزر‭ ‬والبحار‭ ‬والوحوش‭ ‬إلى‭ ‬استعارة‭ ‬كبرى‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬عوالم‭ ‬مليئة‭ ‬بالمخاوف‭ ‬والاختبارات،‭ ‬وهو‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يحتفظ‭ ‬بما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬إنسانيته‭. ‬لذلك‭ ‬بدا‭ ‬الفيلم،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثيرين،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تأمل‭ ‬فلسفي‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬العودة،‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المغامرات‭ ‬المتلاحقة‭.‬

ولعل‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬الإنسانية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬الفيلم‭ ‬بعده‭ ‬العالمي،‭ ‬لأن‭ ‬قصة‭ “‬أوديسيوس‭” ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تخص‭ ‬الإغريق‭ ‬وحدهم،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬ملايين‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬غيّرتهم‭ ‬الحروب‭ ‬والهجرات‭ ‬والمنفى‭ ‬والانتظار‭.‬

صورة‭ ‬تستعيد‭ ‬سحر‭ ‬الشاشة‭ ‬الكبيرة

وإذا‭ ‬كان‭ “‬نولان‭” ‬قد‭ ‬اشتهر‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬برفضه‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬المؤثرات‭ ‬الرقمية،‭ ‬فإن‭ ‬االأوديساب‭ ‬يذهب‭ ‬بهذا‭ ‬الخيار‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حدوده‭. ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬الصورة‭ ‬السينمائية‭ ‬مهيبة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تبدو‭ ‬مصطنعة،‭ ‬واعتمد‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬تصوير‭ ‬طبيعية‭ ‬وتقنيات‭ ‬تصوير‭ ‬متقدمة‭ ‬جعلت‭ ‬البحر‭ ‬والعواصف‭ ‬والجبال‭ ‬تبدو‭ ‬شخصيات‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭.‬

ورأى‭ ‬نقاد‭ ‬السينما‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يذكّر‭ ‬المشاهد‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬قاعات‭ ‬السينما‭ ‬أصلا؛‭ ‬فهناك‭ ‬أعمال‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬شاشة‭ ‬هاتف‭ ‬أو‭ ‬منصة‭ ‬رقمية،‭ ‬لأنها‭ ‬صُممت‭ ‬لتُشاهد‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬عملاقة‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬الصورة‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬حسية‭ ‬كاملة‭.‬

كما‭ ‬حظيت‭ ‬الموسيقى‭ ‬والإيقاع‭ ‬البصري‭ ‬بإشادة‭ ‬كبيرة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يستخدما‭ ‬لإثارة‭ ‬الانفعال‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬لصناعة‭ ‬إحساس‭ ‬دائم‭ ‬بالغموض‭ ‬والترقب،‭ ‬وكأن‭ ‬المتفرج‭ ‬يرافق‭ ‬أوديسيوس‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬كيف‭ ‬ستنتهي‭.‬

حين‭ ‬تنتصر‭ ‬الحكاية‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا

يذكّر‭ ‬االأوديساب‭ ‬بأن‭ ‬السينما‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الحكاية‭. ‬فكل‭ ‬الإمكانات‭ ‬التقنية‭ ‬التي‭ ‬وفرها‭ ‬نولان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬أدوات‭ ‬لخدمة‭ ‬قصة‭ ‬إنسانية‭ ‬كتبت‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬سنة،‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إثارة‭ ‬الأسئلة‭ ‬ذاتها‭: ‬ماذا‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬بعد‭ ‬الحرب؟‭ ‬وهل‭ ‬يستطيع‭ ‬الزمن‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬إلينا‭ ‬ما‭ ‬فقدناه؟‭ ‬وهل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬تعني‭ ‬حقا‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬عرفناها؟

ربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬شعر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬النقاد‭ ‬بأن‭ ‬الفيلم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬حاضر‭ ‬العالم‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يستعيد‭ ‬ماضيه،‭ ‬وأنه‭ ‬يقرأ‭ ‬أزمات‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مرآة‭ ‬الأسطورة‭.‬

سينما‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬الكبار‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يصنعون‭ ‬المفاجأة

يؤكد‭ ‬النجاح‭ ‬النقدي‭ ‬والجماهيري‭ ‬لفيلم‭ ‬االأوديساب‭ ‬أن‭ ‬السينما‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬أعمال‭ ‬تتجاوز‭ ‬منطق‭ ‬الاستهلاك‭ ‬السريع‭. ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬كريستوفر‭ ‬نولان‭ ‬أن‭ ‬يبرهن،‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬الانفجارات‭ ‬والمطاردات،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬قصة‭ ‬تمس‭ ‬وجدانه‭ ‬وتمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬للتفكير‭.‬

ولعل‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذا‭ ‬الفيلم‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬ميزانيته‭ ‬الضخمة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أسماء‭ ‬نجومه،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬الملحمية‭ ‬بوصفها‭ ‬فنا‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬المتعة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وبين‭ ‬الخيال‭ ‬والتأمل‭. ‬وهكذا‭ ‬تتحول‭ ‬االأوديساب‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬فيلم‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬تذكير‭ ‬جميل‭ ‬بأن‭ ‬الأعمال‭ ‬العظيمة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعمرها،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬الدائمة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تُروى‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وكأنها‭ ‬ولدت‭ ‬اليوم‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬برواد‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬جديدة‭:‬ رؤوف‭ ‬ماهر،‭ ‬نهى‭ ‬رحيم،‭ ‬والشاذلي‭ ‬الحاجي‭ ‬في‭ ‬الموعد

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي بين‭ ‬زخم‭ ‬المهرجانات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تستأثر‭ ‬بالأض…