2026-08-14

مسرحية‭ “‬ما‭ ‬يضحكنيش‭” ‬لياسين‭ ‬الصالحي‭:‬ خطوة‭ ‬جريئة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الكوميديا‭ ‬الفردية‭ ‬وفكاهة‭ ‬ذكية‭ ‬دون‭ ‬إبتذال

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬بثينة‭ ‬بن‭ ‬زايد

اقتباس‭ ‬أو‭ ‬مقتطف‭ ‬مسرحي‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬مسرحية‭ “‬ما‭ ‬يضحكنيش‭” ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أخذك‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬العرض‭ ‬حاملا‭ ‬معه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬توظيف‭ ‬فكرة‭ ‬فلسفية‭ ‬أو‭ ‬معلومة‭ ‬تاريخية‭ ‬أو‭ ‬مشاكل‭ ‬يومية‭ ‬في‭ ‬كوميديا‭ ‬ذكية‭ ‬تدفعك‭ ‬إلى‭ ‬الضحك‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬القضايا‭ ‬وصولا‭ ‬الى‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يروج‭ ‬له‭ ‬عنوان‭ ‬المسرحية‭ ‬ومضمونها‭.‬

في‭ ‬العمل‭ ‬المسرحي‭ “‬ما‭ ‬يضحكنيش‭” ‬لياسين‭ ‬الصالحي‭   ‬تبدأ‭ ‬جاذبية‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬التناقض‭ ‬الصارخ‭ ‬بين‭ ‬العنوان‭ ‬ومضمون‭ ‬المسرحية‭   ‬فالأول‭ ‬يوحي‭ ‬بالتجهّم‭ ‬أو‭ ‬التحدي‭ ‬بعدم‭ ‬الضحك‭ ‬بينما‭ ‬الثاني‭ ‬يقدم‭ ‬مواقف‭ ‬ساخرة‭ ‬ومواضيع‭ ‬تاريخية‭ ‬واجتماعية‭ ‬طريفة‭ ‬تدفع‭ ‬الجمهور‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬والضحك‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬العرض‭ ‬و‭ ‬حتى‭ ‬نهايته‭.‬

واختار‭ ‬ياسين‭ ‬الصالحي‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬مختلفا‭ ‬وخارجا‭ ‬عن‭ ‬المألوف‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التسويق‭ ‬لمسرحيته‭ ‬فيعتمد‭  ‬أسلوبا‭ ‬ساخرا‭ ‬و‭ ‬فريدا‭ ‬من‭ ‬نوعه‭  ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الواقع‭  ‬فيروج‭ ‬لمسرحيته‭  ‬عبر‭ ‬تحذير‭ ‬الجمهور‭ ‬من‭ ‬حضورها‭ ‬و‭ ‬مشاهدتها‭ ‬باعتبارها‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الضحك‭ ‬و‭ “‬الضمار‭” ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬رغبة‭ ‬و‭ ‬فضولا‭ ‬لدى‭ ‬جمهوره‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬العروض‭  ‬ان‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬كلها‭ ‬يكون‭ ‬النجاح‭ ‬الجماهيري‭ ‬واسعا‭ ‬و‭ ‬يحظى‭  ‬بإقبال‭ ‬كبير‭ ‬وشباك‭ ‬تذاكر‭ ‬مغلق‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المهرجانات‭ ‬التونسية‭ ‬الصيفية‭ ‬والجهوية‭.‬

وتعتمد‭ ‬مسرحية‭ “‬ما‭ ‬يضحكنيش‭ ” ‬الكوميديا‭ ‬السوداء‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬السخرية‭  ‬الفكرية‭  ‬و‭ ‬الفكاهة‭ ‬الذكية‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬تفاصيل‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬بكل‭ ‬تناقضاته‭ ‬و‭ ‬ظروفه‭ ‬المعيشية‭  ‬الصعبة‭  ‬بأسلوب‭ ‬جرئ‭ ‬و‭ ‬غير‭ ‬تقليدي‭ ‬و‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭  ‬الذي‭ ‬بدوره‭  ‬يجد‭ ‬نصيبا‭ ‬وافرا‭ ‬من‭ ‬الضحك‭ ‬و‭ ‬مساحة‭  ‬شاسعة‭ ‬لمراجعة‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومه‭ ‬وبعض‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ .‬

من‭ ‬يتابع‭ ‬المسرحية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬عروضها‭ ‬يعلم‭ ‬جيدا‭ ‬حرص‭ ‬الصالحي‭ ‬على‭ ‬التجديد‭ ‬المستمر‭  ‬في‭ ‬محتوى‭ ‬كل‭ ‬عرض‭  ‬و‭ ‬تطويره‭  ‬عبر‭ ‬إضافة‭ ‬فقرات‭ ‬و‭ ‬مقاطع‭ ‬جديدة‭ ‬او‭ ‬تعديل‭ ‬بعض‭ ‬المشاهد‭  ‬فوق‭ ‬الركح‭  ‬حسب‭ ‬مقاييس‭ ‬ذكية‭ ‬يختارها‭ ‬وفق‭  ‬نبض‭ ‬القاعة‭ ‬وعقلية‭ ‬الحاضرين‭ ‬ليقدم‭ ‬تجربة‭ ‬متجددة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭. ‬من‭ ‬مميزات‭ ‬تجربة‭ ‬ياسين‭ ‬الصالحي‭ ‬الكوميدية‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ “‬ما‭ ‬يضحكنيش‭”  ‬انه‭ ‬حقق‭ ‬نجاحا‭ ‬واسعا‭ ‬وهو‭ ‬نجاح‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بمحتوى‭ ‬المسرحية‭ ‬الساخر‭ ‬و‭ ‬الطريف‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭  ‬بل‭ ‬يتعداه‭ ‬الى‭ ‬عناصر‭ ‬أخرى‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق‭ ‬و‭ ‬التميز‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬حضور‭ ‬الممثل‭ ‬و‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬أحداث‭ ‬العرض‭ ‬فوق‭ ‬الركح‭  ‬وفق‭ ‬إيقاع‭ ‬محدد‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬تعابيره‭ ‬الجسدية‭  ‬و‭ ‬الصوتية‭  ‬الهادئة‭ ‬والقوية‭ ‬التي‭ ‬ينقل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭  ‬الأفكار‭ ‬و‭ ‬المواقف‭ ‬الكوميدية‭ ‬بذكاء‭ ‬و‭ ‬براعة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬السطحية‭ ‬و‭ ‬الابتذال‭ ‬التي‭ ‬طغت‭ ‬على‭ ‬أغلب‭ ‬الاعمال‭ ‬المسرحية‭  ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الفنية‭ ‬التونسية‭  ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬التهكم‭ ‬على‭ ‬اللهجات‭ ‬والجهات‭ ‬طريق‭ ‬العديد‭ “‬للإضحاك‭ ” ‬في‭ ‬حين‭ ‬اختار‭ ‬الصالحي‭ ‬طريقا‭ ‬مغايرا‭ ‬عكس‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬عروضه‭ ‬بعرض‭  ‬محتوى‭  ‬ثقافي‭ ‬تاريخي‭  ‬يطرح‭ ‬قصصا‭ ‬و‭ ‬معلومات‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬تونس‭ ‬و‭ ‬الإنسانية‭ ‬بأسلوب‭  ‬ساخر‭ ‬و‭ ‬طريف‭ ‬و‭ ‬غير‭ ‬ممل‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الايحاءات‭ ‬و‭ ‬الالفاظ‭ “‬البذيئة‭ ” ‬محققا‭ ‬بذلك‭  ‬رقيا‭ ‬فكري‭  ‬يحترم‭ ‬انسانيته‭ ‬و‭ ‬يحترم‭ ‬الذوق‭ ‬العام‭ ‬ويحصد‭ ‬محبة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬متابعيه‭ .‬

‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬المسرحي‭  ‬نجح‭ ‬ياسين‭ ‬الصالحي‭  ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬مضمون‭ ‬محترم‭ ‬يثقف‭ ‬المتفرج‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬الحس‭ ‬الفكاهي‭  ‬الطريف‭ ‬الا‭ ‬انه‭ ‬أيضا‭ ‬فتح‭ ‬بابا‭ ‬مختلفا‭ ‬في‭ ‬عالم‭  ‬الكوميديا‭ ‬الفردية‭ ‬و‭ ‬سجل‭ ‬خطوة‭ ‬جريئة‭ ‬ومختلفة‭  ‬في‭ ‬عالم‭ ‬المسرح‭ ‬كانه‭ ‬يقول‭  ‬ان‭ ‬الرقي‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مظهر‭  ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حالة‭  ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬الفكري‭ ‬و‭ ‬الجمالي‭  ‬يترجمها‭ ‬الفنان‭ ‬على‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬ليقدم‭ ‬رسالة‭ ‬متقنة‭ ‬و‭ ‬عميقة‭ ‬لجمهوره‭.‬

‭ ‬

‫شاهد أيضًا‬

تحذيرات‭ ‬من‭ ‬السلوكيات‭ ‬غير‭ ‬المسؤولة‭ ‬على‭ ‬الشواطئ‭:‬ احترام‭ ‬اميثاق‭ ‬المصطاف‭ ‬الواعيب‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬التنوع‭ ‬البيولوجي‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬بثينة‭ ‬بن‭ ‬زايد تؤدي‭ ‬سلوكيات‭ ‬المصطافين‭ ‬غير‭ ‬الرشيدة‭ ‬في‭ ‬الش…