مؤسّسة دستورية طال انتظارها وثقُل دورها إكتمال تركيبة المجلس الأعلى للتربية والتعليم
اكتملت يوم أمس الجمعة 14 أوت 2026 تركيبة المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وصدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية أمران رئاسيان تم بموجبهما تعيين أعضاء بالهيئة العليا للمجلس وتكليف محمد علي البوغديري بمهام كاتب عام للمجلس.
وقد نص الأمرت الأول تحت عدد 203 لسنة 2026 المؤرخ في 12 أوت الجاري على تعيين كل من التيجاني القماطي ويوسف بن عثمان وشيراز السطنبولي وريم العريبي وكمال الهنيد ومحمد الحبيب العلاني ومحمد سيف الله بن عبد الرزاق أعضاء بالهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية والتعليم في حين نص الأمرت الثاني وعدده 204 لسنة 2026 المؤرخ، في التاريخ ذاته، على تكليف محمد علي البوغديري بمهام كاتب عام للمجلس.
وبهذا الشكل أصبح المجلس أمرا واقعا بإطاره القانوني الشامل والذي يضم أيضا المرسوم عدد 2 لسنة 2024 المؤرخ في 16 سبتمبر 2024، والمتعلق بتنظيمه، والأمر عدد 246 لسنة 2025 المؤرخ في 8 ماي 2025 والمتعلق بتنظيمه الإداري والمالي دون أن ننسى الفصل 135من دستور العام 2022ت الذي وضع هذه المؤسسة الدستورية في إطارهات ونص بوضوح على أن المجلس الأعلى للتّربية والتّعليمت ايتولى إبداء الرّأي في الخطط الوطنيّة الكبرى في مجال التّربـية والتّعليم والبحث العلميّ والتّكوين المهنيّ وآفاق التّشغيلب.
وفي ردود فعل أولية حظيت الشخصيات الوطنية التي تم تعيينها بالترحيب، فكثير من الأسماء وازنة في مجال العلم والمعرفة والثقافة والتربية والتعليم، علما وأن المجلس يضم أيضا وزراء القطاعات ذات الصلة وهم وزير التربية ووزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير التشغيل والتكوين المهني ووزير الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن ووزير الشباب والرياضة ووزير الشؤون الدينية ووزير الشؤون الثقافية.
أما الكاتب العامت للمجلس، محمد علي البوغديري فهو وزير التربية السابقت والقياديت السابق في الاتحاد العام التونسي للشغلت وسيكون دوره دقيقا وهاما في مؤسسة دستورية يراهن عليها الجميع في الارتقاء بالتوجهات الوطنية الكبرى التي تهمت التربية والتعليم والتكوين وإقتراح الإصلاحاتتالمناسبة.
ولسنا نبالغ حين تحدثنا عن المجلس واعتبرنا خطوة اكتمال تركيبتهت بداية تحقيق حلم راود التونسيين قبل 2011 وبعدها بالخصوص، حيث أصبح الاجماع حاصلا حول حقيقة مؤلمة وهي أن تعليمنا الذي اردناه مصعدا اجتماعيا في دولة الاستقلال ليس على ما يرام.
والمظاهرت الدالة على الوهن الذي لحق بالتعليم في بلادنا كثيرة ومن بينها ارتفاع نسبة الأمية ونسبة الانقطاع المدرسي وتفاقم ظاهرة العنف داخل الفضاء التربويت وتردي أوضاع المربين وترهل البنية التحتية والقطيعة مع سوق الشغل وتكلس المضامين والمناهج والطرائق البيداغوجية والأخطرت من كل هذا رواج اثقافةب تزدري التعليم ولا ترى فيه سبيلا للرقي الاجتماعي وتحقيق العيش الكريم.
ومن هذا المنطلق فإن مهمة المجلس الأعلى للتربيةت الأساسية بوصفه هيئة دستورية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية المالية لن تكون يسيرة فنحن نتحدث عن خطط وطنية كبرى وسياسات عمومية واعدة في مجالات التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل.
توتكتسي خطوة تركيز مجلس التربية أخيرا ودخوله حيز العمل وافتتاح جلساته مبدئيا يوم 17 اوت الجاري، أهمية كبيرة بحكم السياق العام الذي نتحدث فيه عن اصلاح تربوي طال انتظاره ونحن عشيه العودة الدراسية في جميع المراحل التعليمية والتكوين المهني ورياض الاطفال..
إن التحدي الاول سيكون دون أدنى شك إصلاح المنظومة التربوية وتطوير المناهج وطرق التدريس بما يتلاءم مع حاجات المجتمع وسوق الشغل بطبيعة الحال.
ولا معنى لإصلاح لا يأخذ بعين الإعتبار تحسين جودة التعليم والحد من الفوارق بين المؤسسات والمناطق، خصوصًا بين الجهات الداخلية والساحلية، وبين القطاع العام والقطاع الخاص، وبين المؤسسات النموذجية والمؤسسات العادية مع الانتباه الى مسألة التحول الرقمي وإدماج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم بطريقة فعالة وآمنة تلائم بين المنجز الإنساني والخصوصية الوطنية..
ولان الاستثمار في التعليم هو استثمار في المستقبل فلا مناص من توفير التمويل المستدام للقطاع التربوي وتحسين البنية التحتية والتجهيزات.
ويقتضي الأمر هنا أيضا تطوير تكوين المدرسين في مختلف المستويات ودعم التطوير المهني المستمر للإطار التربوي ورد الاعتبار لوظيفة االمتفقدب الذي أصبح دوره صوريا في المرحلة الابتدائية والأساسية والثانوية.
ومثلما أشرنا إلى ذلك آنفا، ثمّة ورشات عديدة تستوجب التدخل الجراحي السريع إن جاز القول، كورشة الحد من الانقطاع المدرسي ومعالجة ظاهرة الفشل والتسرب خاصة في المراحل التعليمية الحساسة.
هذا ولم يعد مقبولا أن تعمل الوزارات والقطاعات المعنية بالتربية وكأنها في جزر منفصلة ومتدافعة في ما بينها وبالتالي يجب تحقيق التنسيق بين مختلف المتدخلين في التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والبحث العلمي، أضف إلى ذلك ربط التعليم والتكوين بسوق العمل وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم وحاجيات الاقتصاد.
إننا بحاجة إلى إرساء رؤية وطنية حداثية موحّدة وطويلة المدى للتربية والتعليم منفتحة على الأسرة والمجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين، ونحن لسنا مطالبين بالبحث عن المعجزات فشروط وقف النزيف والانقاذ والاقلاع واضحة، شيء من تحديث الإدارة والمؤسسات التربوية، وشيء من تعزيز الحوكمة والتقييم والمساءلة، وشيء من رفع جودة التعلمات وخاصة في اللغات والرياضيات والعلوم والمهارات الرقمية، مع ضرورة دعم تكافؤ الفرص وضمان حق جميع الأطفال والشباب في تعليم جيد.
وإذا أضفنا إلى ذلك مقاومة الانقطاع المدرسي وعالجنا أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والتربوية وأصلحنا منظومة التكوين المهني وعززنا علاقتها بسوق الشغل وشجعنا البحث العلمي والابتكار وربطناه بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، سنكون حتما في نادي الدول المتقدمة كي لا نقول في مقدمتها..
نقول هذا دون مبالغة لأننا نستحضر تفوق أبنائنا الدارسين في الجامعات الأجنبية المرموقة وإنجازات كفاءاتنا الوطنية من خريجي المدرسة التونسية العاملين في مجالات الطب والصحة والهندسة وغيرها من الاختصاصات في مشارق الأرض ومغاربها.
الفصل الأخير في التوجيه الجامعي.. حسن الاختيار في انتظار إصلاح الحال
أوشكت عملية التوجيه الجامعي على نهايتها وفق الرزنامة الرسمية، وكشفت …


