2026-03-28

احتياطي النقد الأجنبي يرتفع هل هو مؤشر انتعاش اقتصادي أم تحسن ظرفي؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬خالصة‭ ‬حمروني

سجل‭ ‬احتياطي‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬لافتًا‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬2026،‭ ‬ليبلغ‭ ‬25.1‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬106‭ ‬أيام‭ ‬توريد،‭ ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬التونسي‭. ‬وقد‭ ‬سجل‭ ‬بذلك‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ22.9‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ (‬100‭ ‬يوم‭ ‬توريد‭) ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الماضية‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يُعدّ‭ ‬ارتفاع‭ ‬احتياطي‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬مؤشرًا‭ ‬إيجابيًا‭ ‬يعكس‭ ‬تحسن‭ ‬قدرة‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬تغطية‭ ‬وارداتها،‭ ‬وهو‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والنقدي‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬أيام‭ ‬التوريد‭ ‬المغطاة،‭ ‬تعزّزت‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التقلبات‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والمواد‭ ‬الأساسية‭.‬

ويعزى‭ ‬هذا‭ ‬التحسن‭ ‬أساسًا‭ ‬إلى‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسيين،‭ ‬يتمثل‭ ‬أولهما‭ ‬في‭ ‬نمو‭ ‬تحويلات‭ ‬التونسيين‭ ‬بالخارج‭ ‬بنسبة‭ ‬6%‭ ‬لتبلغ‭ ‬1.9‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬استمرار‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬التحويلات‭ ‬كرافد‭ ‬أساسي‭ ‬للعملة‭ ‬الصعبة‭. ‬أما‭ ‬العامل‭ ‬الثاني،‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬العائدات‭ ‬السياحية‭ ‬بنسبة‭ ‬4.7%‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬1.3‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬تعافٍ‭ ‬تدريجي‭ ‬للقطاع‭ ‬السياحي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التطور،‭ ‬وعلى‭ ‬أهميته،‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬طبيعته‭ ‬واستدامته‭. ‬فاعتماد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬على‭ ‬تحويلات‭ ‬المهاجرين‭ ‬والسياحة‭ ‬يبرز‭ ‬محدودية‭ ‬تنوع‭ ‬مصادر‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬تبقى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعوامل‭ ‬خارجية‭ ‬وظرفية،‭ ‬مثل‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬والاستقرار‭ ‬الأمني،‭ ‬وتقلبات‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬متصل،‭ ‬تُظهر‭ ‬المعطيات‭ ‬الرسمية‭ ‬تحسنًا‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬البنكية،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفع‭ ‬حجم‭ ‬المعاملات‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬بنسبة‭ ‬33%،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حركية‭ ‬أكبر‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭ ‬وتحسنًا‭ ‬نسبيًا‭ ‬في‭ ‬السيولة‭. ‬كما‭ ‬تراجع‭ ‬حجم‭ ‬إعادة‭ ‬التمويل‭ ‬من‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬بنسبة‭ ‬19.5%،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬تقلص‭ ‬اعتماد‭ ‬البنوك‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬المباشر،‭ ‬وتحسن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬مواردها‭ ‬الذاتية‭.‬

ورغم‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬الإيجابية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬التحديات‭ ‬الهيكلية‭ ‬قائمة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بضعف‭ ‬الصادرات،‭ ‬واستمرار‭ ‬العجز‭ ‬التجاري،‭ ‬وتباطؤ‭ ‬الاستثمار‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬موارده‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تتجلى‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التحسن‭ ‬عند‭ ‬ربطه‭ ‬بالسياقين‭ ‬الوطني‭ ‬والدولي‭. ‬فعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الداخلي،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬المالية‭ ‬العمومية‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطًا‭ ‬متواصلة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التوريد‭ ‬وتزايد‭ ‬الحاجيات‭ ‬التمويلية‭. ‬أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي،‭ ‬فتتسم‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬نتيجة‭ ‬تقلب‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬وتشديد‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬الشريك‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأول‭ ‬لتونس‭.‬

وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬التحسن‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬احتياطي‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬يبقى‭ ‬انسبيًاب،‭ ‬لارتباطه‭ ‬بعوامل‭ ‬خارجية‭ ‬غير‭ ‬مستقرة‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬ضرورة‭ ‬استثماره‭ ‬كفرصة‭ ‬لدفع‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬دعم‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتصدير،‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭.‬

وعموما‭ ‬تعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬انفراجًا‭ ‬نسبيًا‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬المالية،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العميق‭. ‬إذ‭ ‬يظل‭ ‬التحدي‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬التحسن‭ ‬الظرفي‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬الامد،‭ ‬يعزز‭ ‬مردودية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬تأثره‭ ‬بالتقلبات‭ ‬الخارجية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تقرير «جاهزية الأعمال 2025»: تونس تحتل المرتبة الخامسة من أصل عشر دول إفريقية شملها التصنيف

جاءت تونس في تقرير «جاهزية الأعمال 2025» الصادر عن البنك الدولي في المرتبة الخامسة من أصل …