من أنشطة “بيت الحكمة “العلمية خلال شهر أفريل: منعرجات كتابة التاريخ في تونس: من السرد إلى السؤال المعرفي
في سياق الاهتمام المتجدّد بتاريخ الكتابة التاريخية في تونس، وما شهدته من تحوّلات عميقة على مستوى المناهج والرؤى، يحتضن بيت الحكمة محاضرة علمية يلقيها الأستاذ عبد الرحمان هنية يوم الثلاثاء 21 أفريل، بعنوان: “أساليب الكتابة التاريخية التونسية والمنعرجات المعرفية والمنهجية خلال الفترتين القديمة والحديثة”. وتندرج هذه المحاضرة ضمن أفق نقدي يسعى إلى مساءلة مسار يمتدّ على أكثر من أربعة قرون من الإنتاج التاريخي، في محاولة لفهم آليات تشكّله، وتتبّع لحظات تحوّله، واستكشاف رهاناته المعرفية.
تنبني هذه المحاضرة على سؤال مركزي يتجاوز الوصف إلى التفكيك وهو كيف يمكن تقييم تجربة الكتابة التاريخية في تونس في ضوء هذا الامتداد الزمني الطويل؟ وهل يمكن تصنيفها ضمن أنماط أو زأساليبس محدّدة تكشف عن تحوّلاتها العميقة؟
إنّ هذا الطرح لا يكتفي برصد التراكم الكمي للنصوص، بل ينفذ إلى تحليل الأدوات المعرفية التي اشتغل بها المؤرخ التونسي، والرهانات الفكرية التي وجّهت إنتاجه، في تفاعل مع السياقات السياسية والثقافية التي احتضنته.
ومن هذا المنطلق، يقترح المحاضر قراءة تاريخية إبستمولوجية لمسار الكتابة التاريخية، تقوم على مفهوم زالأسلوبس باعتباره مدخلاً لفهم لحظات التجديد. فالتحوّلات التي شهدها هذا الحقل لا تُفهم فقط بوصفها انتقالاً زمنياً، بل بوصفها تحوّلاً في طرائق الكتابة ذاتها: من السرد التقليدي المرتكز على التدوين الحولي والخبري، إلى الكتابة التحليلية التي تستثمر مناهج العلوم الإنسانية، وتعيد مساءلة الوثيقة التاريخية بوصفها بناءً معرفياً لا معطى جاهزاً.
وفي هذا الإطار، تستدعي المحاضرة تجارب أبرز المؤرخين التونسيين الذين أسهموا في تشكيل هذه المنعرجات، من أمثال هشام جعيط الذي أعاد الاعتبار للسؤال الحضاري في كتابة التاريخ الإسلامي، والهادي التيمومي الذي اشتغل على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي بمنهج نقدي صارم، وعمار المحجوبي الذي فتح آفاق البحث في تاريخ تونس القديم والآثار، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في تعميق هذا المسار وتوسيعه.
لقد مثّلت هذه الأسماء، وغيرها، محطّات مفصلية في تاريخ الكتابة التاريخية التونسية، حيث انتقلت بالممارسة التاريخية من مجرّد نقل الوقائع إلى مساءلة بنياتها العميقة. فمع هشام جعيط، لم يعد التاريخ الإسلامي موضوعاً سردياً فحسب، بل مجالاً للتفكير في تشكّل الوعي الديني والسياسي. ومع الهادي التيمومي، أصبح التاريخ الاجتماعي مدخلاً لفهم تحوّلات المجتمع التونسي في علاقته بالبنى الاقتصادية والاستعمار. أمّا عمار المحجوبي، فقد أعاد وصل الحاضر بجذوره القديمة عبر قراءة علمية دقيقة للمعطيات الأثرية.
غير أنّ هذه المحاضرة لا تدّعي الإحاطة بكلّ لحظات الانتعاش المعرفي التي عرفتها الكتابة التاريخية في تونس، بقدر ما تسعى إلى اقتراح مدخل منهجي جديد لقراءتها. فكلّ لحظة تجديد تُفهم هنا بوصفها استنباطاً زلأسلوبس جديد، يعبّر عن تحوّل في الرؤية إلى التاريخ، وفي أدوات كتابته، وفي علاقته بالمعرفة والسلطة. بهذا المعنى، تغدو الكتابة التاريخية مجالاً للصراع بين تصوّرات مختلفة للماضي، لا مجرّد انعكاس له.
كما تفتح هذه المحاضرة أفق المقارنة مع تجارب عربية أخرى، بما يسمح بفهم خصوصية التجربة التونسية ضمن سياق أوسع. فهل استطاعت الكتابة التاريخية في تونس أن تطوّر أدواتها بما يواكب التحوّلات العالمية في هذا الحقل؟ وإلى أيّ مدى حافظت على استقلاليتها في مواجهة الضغوط الإيديولوجية والسياسية؟
إنّ أهمية هذه المحاضرة تكمن في قدرتها على إعادة طرح أسئلة قديمة بصياغات جديدة، وعلى تحفيز التفكير في مستقبل الكتابة التاريخية في تونس. فهي لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تدعو إلى إعادة بنائه معرفياً، من خلال وعي نقدي بأساليبه ومنعرجاته. وبذلك، تشكّل هذه المحاضرة موعداً علمياً هاماً لكلّ المهتمين بالتاريخ، ليس فقط بوصفه مادة للمعرفة، بل باعتباره ممارسة فكرية تكشف عن تحوّلات المجتمع وطرائق تمثّله لذاته.
ندوة علمية دولية بالمعهد العالي للغات بنابل بداية الأسبوع القادم الموسوعية في زمن انفجار المعارف
في سياق التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر على مستوى إنتاج …
