2026-05-01

بين معاناة الفلاح وهيمنة السماسرة: البيع بالميزان وترقيم الأضاحي حلول لكبح المضاربة

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬نفس‭ ‬المشاهد‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬مألوفة‭ ‬لدى‭ ‬العائلات‭: ‬بحث‭ ‬محموم‭ ‬عن‭ ‬أضحية‭ ‬بسعر‭ ‬امعقولب،‭ ‬وقلق‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬موجة‭ ‬غلاء‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬سقفًا‭. ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الأسبوعية‭ ‬ونقاط‭ ‬بيع‭ ‬المواشي،‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬بشكل‭ ‬لافت،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬صعبة‭ ‬بين‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬شعيرة‭ ‬دينية‭ ‬راسخة‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬التي‭ ‬تآكلت‭ ‬بفعل‭ ‬التضخم‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭.‬

اللافت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬أن‭ ‬الفلاح،‭ ‬وهو‭ ‬الحلقة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬المستفيد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬يؤكد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المربين‭ ‬أن‭ ‬هامش‭ ‬الربح‭ ‬الذي‭ ‬يتحصلون‭ ‬عليه‭ ‬يظل‭ ‬محدودًا،‭ ‬بل‭ ‬أحيانًا‭ ‬لا‭ ‬يغطي‭ ‬المصاريف‭ ‬المتزايدة‭ ‬التي‭ ‬يتحملونها‭ ‬طوال‭ ‬السنة،‭ ‬من‭ ‬أعلاف‭ ‬وأدوية‭ ‬بيطرية‭ ‬ومصاريف‭ ‬رعاية‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يطرح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬علامة‭ ‬استفهام‭ ‬حول‭ ‬مسار‭ ‬الأسعار‭ ‬بين‭ ‬الضيعة‭ ‬والسوق،‭ ‬ومن‭ ‬يتحكم‭ ‬فعليًا‭ ‬في‭ ‬تحديدها‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تشير‭ ‬أصابع‭ ‬الاتهام‭ ‬إلى‭ ‬السماسرة‭ ‬والوسطاء‭ ‬الذين‭ ‬يلعبون‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬الأسعار‭. ‬فبمجرد‭ ‬خروج‭ ‬الأضحية‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬الفلاح،‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬معقد‭ ‬من‭ ‬التداول،‭ ‬حيث‭ ‬تتعدد‭ ‬حلقات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء،‭ ‬وترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬تدريجيًا‭ ‬دون‭ ‬مبررات‭ ‬واضحة‭. ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬يجعل‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنًا‭ ‬مضاعفًا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يبقى‭ ‬المنتج‭ ‬الأصلي‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الأرباح‭ ‬الحقيقية‭.‬

الاختلال‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التسعير‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬ممارسات‭ ‬غير‭ ‬شفافة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬المضاربة‭ ‬واحتكار‭ ‬بعض‭ ‬الكميات‭ ‬بهدف‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الأزمة‭ ‬كلما‭ ‬اقترب‭ ‬موعد‭ ‬العيد‭. ‬كما‭ ‬يخلق‭ ‬ذلك‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والسوق،‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬الكثيرون‭ ‬أنهم‭ ‬عرضة‭ ‬للاستغلال‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬دينية‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التكافل‭ ‬والتراحم‭.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬فعلي‭ ‬وناجع‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬لتنظيم‭ ‬السوق‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الحلول‭ ‬المطروحة،‭ ‬تكثيف‭ ‬فرق‭ ‬المراقبة‭ ‬داخل‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لمتابعة‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬للتثبت‭ ‬من‭ ‬مسالك‭ ‬التوزيع‭ ‬وظروف‭ ‬البيع‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬وجود‭ ‬رقابة‭ ‬ميدانية‭ ‬صارمة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬التجاوزات‭ ‬ويبعث‭ ‬برسائل‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬استغلال‭ ‬الظرف‭.‬

كما‭ ‬تطرح‭ ‬فكرة‭ ‬ترقيم‭ ‬الأضاحي‭ ‬كآلية‭ ‬مبتكرة‭ ‬لتعقب‭ ‬مسارها‭ ‬منذ‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬الفلاح‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭. ‬هذه‭ ‬المنظومة،‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اعتمادها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬وأثبتت‭ ‬جدواها،‭ ‬تسمح‭ ‬بتحديد‭ ‬سلسلة‭ ‬الأسعار‭ ‬بدقة،‭ ‬وتكشف‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬سعر‭ ‬الإنتاج‭ ‬وسعر‭ ‬البيع‭ ‬النهائي‭. ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬الشفافية‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬التلاعب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تمكين‭ ‬المستهلك‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لما‭ ‬يشتريه‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬المقترحات‭ ‬التي‭ ‬تلقى‭ ‬صدى‭ ‬متزايدًا،‭ ‬تعميم‭ ‬تجربة‭ ‬البيع‭ ‬بالميزان‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي‭.‬وهي‭ ‬الطريقة،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬سعر‭ ‬الكيلوغرام‭ ‬بشكل‭ ‬مسبق‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬وتضع‭ ‬حدًا‭ ‬للتقديرات‭ ‬العشوائية‭ ‬وتقلل‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬التلاعب‭. ‬كما‭ ‬تمنح‭ ‬المواطن‭ ‬معيارًا‭ ‬واضحًا‭ ‬يمكّنه‭ ‬من‭ ‬مقارنة‭ ‬الأسعار‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الشراء‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭.‬

كما‭ ‬تتطلب‭ ‬المرحلة‭ ‬تعاون‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف،‭ ‬من‭ ‬فلاحين‭ ‬وتجار‭ ‬وسلطات‭ ‬محلية‭. ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬تنظيم‭ ‬سوق‭ ‬الأضاحي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬إجراءات‭ ‬ظرفية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بموسم‭ ‬العيد،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬لإصلاح‭ ‬منظومة‭ ‬الإنتاج‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بين ضغط الامتحانات وهاجس النجاح: الدروس الخصوصية تعمّق المعاناة المادية للوليّ

مع اقتراب مواعيد الامتحانات الوطنية، وعلى رأسها امتحان الباكالوريا، تتصاعد وتيرة الإقبال ع…