مسلسل كان يا ما كان : غوص في العوالم المسكوت عنها في الحياة الزوجية
يأتي مسلسل كان ياما كان كواحد من الأعمال الدرامية الاجتماعية التي اختارت الغوص في منطقة حساسة ومسكوت عنها داخل الحياة الزوجية، وهي أزمة منتصف العمر وما تخلّفه من تصدعات نفسية وعاطفية داخل الأسرة. العمل، الذي يقوم ببطولته ماجد الكدواني، يبتعد عن الميلودراما التقليدية ليقترب أكثر من الدراما النفسية القائمة على التفاصيل الإنسانية الدقيقة، حيث لا يوجد شرير مطلق أو ضحية كاملة، بل شخصيات تتآكل ببطء تحت ضغط الروتين والصمت الطويل.
تدور أحداث الموسم الأول حول التحولات العميقة التي تصيب أسرة بدت لسنوات مستقرة من الخارج، قبل أن تنفجر التناقضات المكتومة دفعة واحدة. الزوجة، التي عاشت خمسة عشر عامًا داخل دائرة المسؤوليات اليومية، تصل إلى لحظة إدراك قاسية: لقد فقدت ذاتها تدريجيًا وسط تفاصيل الحياة الزوجية، وتحول الاستقرار الذي كانت تتمسك به إلى قفص نفسي يخنق أحلامها القديمة. من هنا يبدأ المسلسل في طرح أسئلته الكبرى حول الحب والاعتياد، وحول الفرق بين الأمان العاطفي والحياة الحقيقية.
ويُحسب للعمل أنه لا يقدم قرار الطلاق باعتباره بطولة نسوية مطلقة، ولا يصوره كخيانة للأسرة، بل يعرضه بوصفه نتيجة طبيعية لتراكم الصمت وانعدام الحوار. في المقابل، يظهر الزوج، الذي يجسده ماجد الكدواني بأداء هادئ وعميق، كرجل صدمته الحقيقة متأخرًا، بعدما ظن لسنوات أن توفير الاستقرار المادي يكفي للحفاظ على العائلة. شخصية الزوج هنا ليست قاسية بقدر ما هي غافلة؛ رجل لم ينتبه إلى أن المشاعر تحتاج إلى رعاية مستمرة مثلها مثل أي مسؤولية أخرى.
أداء ماجد الكدواني يمثل أحد أبرز عناصر قوة العمل، إذ يعتمد على التفاصيل الصغيرة والانفعالات المكتومة أكثر من الخطابات الطويلة. استطاع أن يمنح الشخصية هشاشتها الإنسانية، فجعل المشاهد يتعاطف معه رغم أخطائه. كما يبرز المسلسل قدرة الكدواني على تقديم أدوار الرجل العادي الذي يخفي خلف هدوئه عواصف من الخوف والندم والارتباك.
كذلك أداء الفنانة يسرا اللوزي التي تماهت مع دور المرأة التي تقرر ان تغادر شرنقة الزواج وجسدت كل مشاعرها المتناقضة ما بين الامومة والبحث عن الشغف.
كما تميزت الطفلة ريتال عبد العزيز في التعبير عن حالات التمزق التي يعيشها أطفال الطلاق ما بين الاب والأم.
على مستوى الكتابة اعتمدت كاتبة المسلسل شرين ذياب على بناء نفسي متدرج، حيث تتكشف الأزمات الداخلية للشخصيات ببطء، دون استعجال درامي. الحوار يحمل طابعًا واقعيًا قريبًا من لغة الحياة اليومية، بينما تتجنب السيناريوهات الأحكام الأخلاقية المباشرة، لتترك المشاهد أمام مساحة واسعة للتأمل وإعادة التفكير في مفهوم الزواج ذاته.
أما الإخراج لمحمد العدل فو يراهن على التفاصيل البصرية الهادئة؛ لقطات المنزل الصامتة، المسافات بين الشخصيات، وطريقة توزيع الضوء داخل الأماكن المغلقة، كلها عناصر تعكس البرودة العاطفية التي تتسلل تدريجيًا إلى العلاقة الزوجية. كذلك ينجح العمل في استخدام الموسيقى التصويرية بحذر، بحيث ترافق التوتر النفسي دون أن تتحول إلى عنصر مفتعل لاستدرار العاطفة.
ومن الناحية الإنتاجية لأحمد الجنايني يبدو واضحًا أن العمل حظي بعناية كبيرة على مستوى الصورة والإيقاع واختيار مواقع التصوير، ما منح المسلسل طابعًا واقعيًا معاصرًا قريبًا من حياة الطبقة الوسطى العربية، وهي البيئة التي يدور داخلها الصراع الأساسي.
في النهاية، ينجح كان ياما كان في تقديم دراما اجتماعية تتجاوز الحكاية التقليدية عن الطلاق والزواج، ليطرح رؤية أعمق عن الإنسان حين يفقد قدرته على التواصل، وكيف يمكن للصمت أن يهدم علاقة استغرقت سنوات لبنائها. إنه عمل يتحدث عن الحب حين يتحول إلى عادة، وعن الأشخاص الذين يكتشفون متأخرين أنهم عاشوا سنوات طويلة دون أن يقولوا ما يشعرون به حقًا.
وقد مثلت الحلقة الأخيرة نقطة مفصلية في السرد، إذ تتشابك فيها خيوط الانفصال مع احتمالات المصالحة، بينما تبدأ الشخصيات في مواجهة ذواتها بصدق أكبر. هنا لا يعود السؤال: “هل سينفصلان؟” بل يصبح: “هل كانا يعرفان بعضهما فعلًا طوال تلك السنوات؟”.
هاني شاكر يغادر تاركًا إرثًا من الشجن والحنين
صفحة أخرى من صفحات زمن الغناء الجميل تطوى و صوت يغادر لعله من اخر الأصوات التي تذكرنا بعصر…












