في استشراف الأحداث : حسن الإستعداد ضمانة لنجاح موسم الحصاد
ليست الدولة القوية هي تلك التي تُطفئ الحريق بعد اشتعاله، بل تلك التي تمنعه من الوصول إلى الغابة أصلاً.
وليست الحكومات الناجحة هي التي تكثر من بيانات التعزية بعد الكوارث، بل التي تجعل من الاستباق سياسة، ومن الحذر ثقافة، ومن التنسيق بين مؤسساتها عملاً يومياً لا مناسبة موسمية.
في تونس، ومع كل صيف يقترب، يعود الخوف القديم من الحرائق.
الخوف من النار حين تدخل الغابة فلا تخرج بسهولة.
الخوف من سنابل القمح حين تتحول، في لحظة ريح، إلى رماد.
الخوف من أن تضيع أشهر التعب والسقي والانتظار في دقائق من الإهمال أو العبث أو ارتفاع درجات الحرارة.
لكن الفرق هذه المرة أن الدولة تبدو وكأنها تحاول أن تتحرك قبل أن يصل الدخان.
اجتماع اللجنة الوطنية لتفادي الكوارث ومجابهتها وتنظيم النجدة، بإشراف وزير الداخلية خالد النوري، وبحضور وزيري الفلاحة والتجهيز وممثلي مختلف الوزارات، لم يكن مجرد لقاء إداري آخر يضاف إلى أرشيف الاجتماعات الرسمية، بل هو اعتراف واضح بأن تونس تدخل موسماً حساساً، وأن وفرة الأمطار التي بشّرت بموسم فلاحي واعد، تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة إذا لم تُدار بيقظة عالية.
فالغطاء النباتي الكثيف، الذي يبدو نعمة في الشتاء والربيع، يمكن أن يتحول في الصيف إلى وقود جاهز للنيران.
والمواسم الزراعية الوفيرة تصبح أكثر هشاشة حين تتقاطع الحرارة مع الإهمال أو الحرائق العمدية أو حتى شرارة صغيرة على جانب طريق.
لهذا يصبح الاستعداد المسبق جزءاً من الأمن القومي، لا مجرد خطة موسمية.
لقد تعلّمت الدول الحديثة أن الكوارث الطبيعية لم تعد اقدراب فقط، بل صارت أيضاً اختباراً لقدرة المؤسسات على التوقع والتنسيق وسرعة التدخل.
والفرق بين بلد يخسر غاباته ومحاصيله وبلد ينجح في حمايتها، ليس دائماً في حجم الإمكانيات، بل في حسن التنظيم وفعالية الإنذار المبكر.
من هنا تبرز أهمية ما تم التأكيد عليه خلال الاجتماع:
المراقبة، اليقظة، حماية المحاصيل، صيانة المسالك، تجهيز أبراج المراقبة، توفير المياه، التدخل السريع، والتنسيق بين مختلف الهياكل.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق الكبير حين تبدأ الكارثة.
في دول كثيرة، لم تعد مواجهة الحرائق تتم بعقلية الإطفاء فقط، بل بعقلية الوقاية.
تُمسح الغابات بالأقمار الصناعية، وتُراقب درجات الحرارة والرطوبة لحظة بلحظة، وتُستخدم الطائرات المسيّرة لرصد أي دخان في بدايته، لأن الدقيقة الأولى في الحريق قد تختصر ساعات من الخسائر لاحقاً.
أما في تونس، فإن التحدي أكبر، لأن الإمكانيات محدودة، ولأن البلاد تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية تجعل كل خسارة إضافية عبءا مضاعفاً.
حين تحترق غابة في بلد فقير نسبياً، لا يحترق الخشب فقط.
يحترق جزء من التوازن البيئي.
وتحترق الثروة المائية.
ويحترق مستقبل مناطق كاملة تعيش على الفلاحة أو الغطاء الغابي أو السياحة البيئية.
وحين تحترق المحاصيل الزراعية، فإن الأمر لا يتعلق بخسارة فلاح وحده، بل بأمن غذائي لبلد كامل.
لهذا فإن حماية موسم الحصاد ليست مهمة تقنية فحسب، بل قضية وطنية.
فالقمح الذي تنتجه تونس اليوم، في ظل اضطراب الأسواق العالمية والحروب وارتفاع أسعار الغذاء، أصبح مسألة سيادة حقيقية.
إن العالم الذي نعيش فيه لم يعد مستقراً.
الحرائق تضرب أوروبا وأمريكا وكندا واليونان وتركيا كل سنة تقريباً.
والتغيرات المناخية جعلت الطبيعة أكثر قسوة، وأكثر تقلباً، وأكثر استعداداً للانفجار.
وفي مثل هذا العالم، لا يكفي أن تمتلك شجاعة التدخل بعد الكارثة، بل يجب أن تمتلك ذكاء منعها.
وهنا تبرز أهمية العمل المشترك بين وزارات الداخلية والفلاحة والتجهيز والحماية المدنية وبقية الهياكل لأن الكوارث الحديثة لا تواجهها مؤسسة واحدة.
إنها تحتاج إلى دولة تتحرك كوحدة واحدة، لا كجزر إدارية متفرقة.
كما أن المعركة ليست أمنية فقط، بل مجتمعية أيضاً.
فكم من حريق بدأ بسيجارة ألقيت على قارعة الطريق؟
وكم من كارثة صنعتها لحظة استهتار؟
وكم من فلاح خسر موسمه لأن أحدهم أشعل ناراً صغيرة ثم تركها تواجه الريح وحدها؟
لهذا يصبح الوعي الشعبي جزءاً أساسياً من منظومة الحماية.
وتصبح الحملات التحسيسية ضرورة لا ترفاً إعلامياً.
ثم إن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية: سرعة التنفيذ.
فالخطط وحدها لا تحمي الغابات إذا بقيت حبراً على الورق.
والاجتماعات لا تُطفئ الحرائق إن لم تتحول إلى جاهزية فعلية على الأرض.
تونس لا تحتاج فقط إلى اجتماعات ناجحة، بل إلى معدات جاهزة، ومسالك مفتوحة، وأعوان مدربين، وغرف عمليات يقظة، واستجابة سريعة حين تبدأ الأزمة.
في النهاية، الدول تُقاس أيضاً بطريقة استعدادها للأسوإ.
والبلاد التي تحترم مواطنيها هي التي لا تنتظر الكارثة حتى تتحرك.
هي التي تفهم أن الوقاية أقل كلفة من الخسارة، وأن دقيقة حذر قد تنقذ مدينة، وأن شجرة محفوظة اليوم قد تكون غابة كاملة غداً.
لهذا فإن الرهان الحقيقي هذا الصيف لن يكون فقط في إخماد الحرائق، بل في منعها من الولادة أصلاً.
مؤشرات الإستثمار الواعدة الإستثمار الأجنبي بين التفاؤل وامتحان الواقع
حين ترتفع الاستثمارات الأجنبية في بلد يعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة، يصبح الخبر…



