2026-05-16

معرض‭ ‬سنية‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬بفضاء‭ ‬ارشيفار هـــنـــــدســــة‭ ‬الــــــذاكــــــــرة‭ ‬و‭ ‬الــــنـــــســـــيــــان

في‭ ‬معرضها‭ ‬الشخصي‭ ‬الجديد‭ ‬و‭ ‬عنوانه‭ ” ‬هذه‭ ‬البقايا‭ ‬مني‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ “  ‬تبدو‭ ‬سنية‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬،‭ ‬مصرة‭ ‬علي‭ ‬عدم‭ ‬مغادرة‭ ‬الطفولة‭ ‬،‭ ‬قبل‭ ‬تصفية‭ ‬كل‭ ‬حساب‭ ‬معها‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬بطريقتها‭ ‬الخاصة‭ ‬،‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬اللعب‭ ‬و‭ ‬العاطفة‭  ‬و‭ ‬الامتنان‭  ‬،‭ ‬فذلك‭  “‬الحساب‭ ” ‬هو‭ ‬في‭ ‬الاخير‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ذاكرتها‭ ‬وهويتها‭  ‬و‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختصاره‭ ‬كمنطقة‭ ‬صراع‭ ‬داخلي‭ ‬،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬منطقة‭ ‬بحث‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذات‭ ‬متجاوزة‭ .  ‬ذلك‭  “‬الحساب‭ ” ‬هو‭ ‬رصيد‭ ‬ثري‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬البصرية‭ ‬المترسبة‭ ‬في‭ ‬اعماقها‭ ‬،‭ ‬فالفنانة‭ ‬ولدت‭ ‬و‭ ‬عاشت‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬فنية‭ ‬،‭ ‬والدها‭ ‬ليس‭ ‬الا‭ ‬الفنان‭ ‬الجليل‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬،‭ ‬صاحب‭ ‬التجربة‭ ‬الخزفية‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬العلامة‭ ‬و‭ ‬الخط‭ ‬باختزال‭ ‬روحاني‭ ‬متقشف‭ . 

في‭ ‬معرضها‭ ‬المذكور،‭ ‬عملت‭ ‬الفنانة‭ ‬،‭  ‬علي‭ ‬بسط‭ ‬تلك‭ ‬الذاكرة‭ ‬البصرية‭ ‬الموروثة‭ ‬من‭ ‬طفولتها‭  ‬و‭ ‬استثمارها‭ ‬كمكتسب‭ ‬تطمح‭ ‬الي‭ ‬احتوائه‭ ‬و‭ ‬تخطيه‭ ‬باللعب‭  ‬و‭ ‬الترويض‭ ‬،‭ ‬دون‭ ‬محو‭  ‬،‭  ‬و‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬رحلة‭  ‬تنطلق‭  ‬من‭ ‬البسيط‭ ‬نحو‭ ‬المركب‭ . ‬

  ‬ذلك‭ ‬المخزون‭ ‬البصري‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬الطفولة‭ ‬والكامن‭ ‬في‭ ‬اعماقها‭ ‬،‭ ‬يبدو‭ ‬اقرب‭ ‬الى‭ ‬بوصلة‭ ‬ترسم‭ ‬الاتجاهات‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬معلوم‭ ‬نحو‭ ‬مكان‭ ‬مجهول‭ . ‬الامر‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بتلك‭ ‬الدلالات‭ ‬الرائجة‭ ‬عن‭ ‬رسومات‭ ‬الاطفال‭ ‬و‭ ‬ما‭ ‬تعنيه‭ ‬من‭ ‬تلقائية‭ ‬و‭ ‬عفوية‭ ‬و‭ ‬خروج‭ ‬عمّا‭ ‬يثير‭ ” ‬القبول‭ ” ‬و‭ ” ‬الاعجاب‭ ” ‬،‭ ‬فهذا‭ ‬البعد‭ ‬و‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬ملحوظا‭ ‬و‭ ‬ملفتا‭ ‬في‭ ‬اعمال‭ ‬معرض‭ ‬الرسامة‭ ‬،‭ ‬الا‭ ‬انه‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭  ‬،‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬مفصليا‭ ‬،‭ ‬اذا‭ ‬ابقيناه‭ ‬مجردا‭ ‬دون‭ ‬تدقيق‭  ‬،‭ ‬فما‭ ‬يرسمه‭ ‬الاطفال‭ ‬يبقى‭ ‬طفوليا‭ ‬،‭ ‬اما‭ ‬ما‭ ‬يرسمه‭ ‬الكبار‭ ‬بعيون‭ ‬الطفولة‭ ‬فهو‭ ‬الاستثناء‭ . ‬و‭ ‬الطفولة‭ ‬في‭ ‬رسومات‭ ‬سنية‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬،‭ ‬مرادف‭ ‬للتحرر‭ ‬من‭ ‬التنميط‭ ‬و‭ ‬الصور‭ ‬الجاهزة‭ . ‬و‭ ‬لعل‭ ‬المعني‭ ‬الجوهري‭ ‬في‭ ‬تمشيها‭ ‬الفني‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬يبينه‭ ‬معرضها‭ ‬،‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التماهي‭ ‬مع‭ ‬جذوة‭ ‬ذلك‭ ‬المفهوم‭ ‬المتحرر‭ ‬للطفولة‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬نظرة‭ ‬عفوية‭ ‬وفطرية‭   ‬و‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭  ‬تجاوز‭ ‬ما‭ ‬ترسب‭ ‬في‭ ‬ذاكرتها‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬مخزون‭ ‬بصري‭ ‬عايشته‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬والدها‭ ‬و‭ ‬ضمن‭ ‬مسيرته‭ ‬كفنان‭ ‬،‭ ‬اشتغل‭ ‬علي‭ ‬العلامة‭ ‬و‭ ‬الخط‭ ‬،‭ ‬ضمن‭ ‬تمشي‭ ‬تأصيلي‭ ‬مستلهم‭ ‬من‭ ‬المخطوطات‭ ‬القديمة‭ ‬ومن‭ ‬الحرف‭ ‬العربي‭ . ‬لقد‭ ‬قامت‭ ‬سنية‭ ‬باعادة‭ ‬تلك‭ ‬العلامات‭ ‬و‭ ‬الخطوط‭ ‬الي‭ ‬اصولها‭ ‬البدئية‭  ‬،‭ ‬الى‭ ‬فجر‭ ‬البشرية‭   ‬،‭ ‬اي‭ ‬الى‭ ‬ما‭  ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تتشكل‭  ‬،‭ ‬تلك‭ ‬العلامات‭ ‬و‭ ‬الخطوط‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬هيئات‭ ‬دالة‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬ارقام‭ ‬و‭ ‬حروف‭ ‬وعلامات‭  . ‬فأصل‭  ‬الحرف‭ ‬والعلامة‭  ‬هو‭ ‬النقطة‭ ‬و‭ ‬الخط‭ ‬و‭ ‬منهما‭ ‬انبثقت‭ ‬عبر‭  ‬الازمنة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬الكتابة‭ ‬و‭ ‬الاشارة‭ ‬،‭  ‬وصولا‭ ‬الي‭ ‬الاشكال‭ ‬الاكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬،‭ ‬فمن‭ ‬تلك‭ ‬النقطة‭ ‬الاولي‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬الخط‭ ‬الاول‭ ‬الممتد‭ ‬و‭ ‬المحفور‭ ‬داخل‭ ‬كهف‭ ‬،‭  ‬او‭ ‬المرسوم‭ ‬علي‭ ‬جلد‭ ‬طريدة‭ ‬،‭ ‬جاءت‭ ‬رسوم‭ ‬الكهوف‭ ‬في‭ ‬تاسيلي‭ ‬و‭ ‬اكاكوس‭ ‬و‭ ‬غيرهما‭ ‬،‭  ‬وصولا‭ ‬الي‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الفنون‭ ‬و‭ ‬التصاميم‭ ‬الرقمية‭ ‬،‭   ‬الاشد‭ ‬تعقيدا‭  . ‬

‭ ‬لقد‭ ‬استعادت‭ ‬الفنانة‭ ‬بذلك‭ ‬طفولة‭ ‬الرسم‭ ‬ذاته‭ ‬و‭ ‬جعلت‭ ‬منه‭ ‬البوابة‭ ‬لمقاربة‭ ‬ذاكرتها‭ ‬البصرية‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬عبر‭ ‬مقاربة‭ ‬ذاتية‭ ‬خالصة‭ ‬تخص‭  ‬طفولتها‭ ‬و‭ ‬البيت‭ ‬العائلي‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الذاكرة‭ ‬الكونية‭ ‬،‭  ‬اي‭ ‬انها‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬طفولتها‭ ‬التي‭ ‬تحرسها‭ ‬داخلها‭ ‬متعانقة‭ ‬مع‭ ‬طفولة‭ ‬الرسم‭ ‬ذاته‭ ‬،‭ ‬بهذا‭ ‬فان‭ ‬اعمال‭ ‬الفنانة‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬انصهار‭ ‬ذاكرتين‭ ‬،‭ ‬ذاكرة‭ ‬ذاتية‭ ‬وذاكرة‭ ‬مشتركة‭ ‬،‭ ‬ولعلها‭ ‬هنا‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬قدمت‭ ‬قراءة‭ ‬لمفهوم‭ ‬الذاكرة‭ ‬،‭ ‬تلك‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬نعتقد‭ ‬دوما‭ ‬بأنها‭ ‬محايدة‭ ‬و‭ ‬تعمل‭ ‬كالة‭ ‬تصوير‭ ‬و‭ ‬تسجيل‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬انها‭ ‬انتقائية‭ ‬و‭ ‬انعكاس‭ ‬للحالة‭ ‬النفسية‭ ‬و‭ ‬الاجتماعية‭ ‬و‭ ‬لطرق‭ ‬تفكيرنا‭ ‬،‭ ‬فعملية‭ ‬وصل‭ ‬ذاكرة‭ ‬بآخرى‭  ‬،‭ ‬في‭ ‬اعمال‭ ‬سنية‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬،‭ ‬تعبر‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬،‭ ‬عن‭ ‬اسلوب‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬شيفرات‭ ‬ذلك‭ ‬المخزون‭ ‬الذاتي‭ ‬و‭ ‬وصله‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬جمعي‭ ‬،‭ ‬ليكون‭ ‬بعدها‭ ‬الترميم‭ ‬و‭ ‬البناء‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬،‭ ‬ذلك‭ ‬الحاضر‭ ‬الذي‭ ‬يستوعب‭  ‬في‭ ‬احشائه‭ ‬الذكريات‭ ‬،‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لقيطا‭  ‬او‭ ‬مصطنعا‭ ‬و‭ ‬مبتورا‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ .‬

ضم‭ ‬معرض‭ ‬الفنانة‭ ‬،‭ ‬لوحات‭ ‬في‭ ‬الرسم‭ ‬،‭ ‬صغيرة‭ ‬و‭ ‬متوسطة‭ ‬الاحجام‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬اعمالا‭ ‬خزفية‭ . ‬تلتقي‭ ‬جميعها‭ ‬ضمن‭ ‬اسلوب‭ ‬واحد‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الرسم‭ ‬الخطي‭ ‬و‭ ‬بين‭ ‬التلوين‭  ‬،‭ ‬باستحضار‭ ‬اشكال‭ ‬بسيطة‭ ‬لهيئات‭ ‬مثل‭ ‬الطيور‭ ‬و‭ ‬الحيوانات‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬اشكال‭ ‬القطط‭ ‬و‭ ‬الايائل‭ ‬والثيران‭  ‬او‭ ‬هيئات‭ ‬لكائنات‭ ‬متخيلة‭ ‬،‭ ‬يتوزع‭ ‬اسلوبها‭ ‬الخطي‭ ‬جميعها‭ ‬،‭ ‬بين‭ ‬الطفولي‭ ‬و‭ ‬العفوي‭ ‬في‭ ‬بساطته‭ ‬و‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يعيدنا‭ ‬الى‭ ‬اشكال‭ ‬واسلوب‭ ‬رسومات‭ ‬فن‭ ‬الكهوف‭ . ‬هذه‭ ‬الهيئات‭ ‬في‭ ‬تنوعها‭ ‬تقوم‭ ‬الرسامة‭ ‬بتأليفها‭ ‬ضمن‭ ‬خلفية‭ ‬ملونة‭ ‬مشبعة‭ ‬بمفردات‭ ‬مثل‭ ‬الاشكال‭ ‬النباتية‭ ‬البسيطة‭ ‬او‭ ‬الهندسية‭  ‬و‭ ‬العلامات‭ ‬المتكررة‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬بقع‭ ‬لونية‭ ‬او‭ ‬خطوط‭ ‬حادة‭ ‬او‭ ‬خربشات‭ .‬

تعتمد‭ ‬الرسامة‭ ‬على‭ ‬طيف‭ ‬متنوع‭ ‬من‭ ‬الالوان‭ ‬الترابية‭  ‬خاصة‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬كذلك‭ ‬الاصفر‭ ‬او‭ ‬الاخضر‭ ‬و‭ ‬هي‭ ‬تبدو‭  ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬علي‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬التقشف‭ ‬،‭ ‬سواء‭ ‬بالاكتفاء‭ ‬باللون‭ ‬الواحد‭ ‬في‭ ‬تباين‭ ‬درجاته‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬درجته‭ ‬الصفر‭ ‬حيث‭ ‬يبدو‭ ‬شفافا‭ ‬مثل‭ ‬الاكواريل‭ ‬،‭ ‬او‭ ‬بتقنية‭ ‬المسح‭ ‬و‭ ‬الاخفاء‭ ‬و‭ ‬التشفيف‭ ‬عبر‭ ‬طبقة‭ ‬لونية‭ ‬من‭ ‬الابيض‭ ‬،‭ ‬بهذه‭ ‬التقنية‭ ‬،‭ ‬فان‭ ‬الفنانة‭ ‬قد‭ ‬جعلت‭ ‬هيئاتها‭ ‬و‭ ‬علاماتها‭ ‬بارزة‭ ‬تنعم‭ ‬بالضجيج‭ ‬و‭ ‬المرح‭ ‬علي‭ ‬سطح‭ ‬اللوحة‭ ‬،‭ ‬او‭ ‬مختفية‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬اللون‭ ‬اشبه‭ ‬بالحجاب‭ ‬،يكشف‭ ‬بمقدار‭ ‬و‭ ‬يخفي‭ ‬بمقدار‭  . ‬مقابل‭ ‬هذه‭ ‬الاعمال‭ ‬المتقشفة‭ ‬،‭ ‬نجد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الاعمال‭ ‬اكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬و‭ ‬تركيبا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البناء‭ ‬و‭ ‬الشكل‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬هي‭ ‬اعمال‭ ‬تذكرنا‭ ‬باسلوب‭ ‬الفن‭ ‬الزخرفي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬القديم‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬اذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬يعتمد‭ ‬اساسا‭ ‬على‭ ‬عنصر‭ ‬كراهية‭ ‬الفراغ‭ ‬،‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬الرسامة‭ ‬خالفت‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬،‭ ‬لكي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التجانس‭ ‬الاسلوبي‭ ‬لاعمالها‭ ‬،‭ ‬والذي‭ ‬يشكل‭ ‬تلك‭ ‬الوحدة‭ ‬الجامعة‭ ‬لاعمال‭ ‬معرضها‭  .‬

  ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬من‭ ‬الاعمال‭ ‬و‭ ‬التي‭ ‬تحضر‭ ‬فيه‭ ‬المرجعية‭ ‬الشرقية‭ ‬،‭ ‬كتعلة‭ ‬،‭  ‬تنقسم‭ ‬كل‭ ‬لوحة‭ ‬الى‭ ‬اطار‭ ‬خارجي‭ ‬يمثل‭ ‬الشبكة‭ ‬الزخرفية‭ ‬المستطيلة‭ ‬الاولى‭ ‬،‭ ‬داخلها‭ ‬شبكة‭ ‬زخرفية‭ ‬ثانية‭  ‬،‭ ‬ثم‭ ‬ثالثة‭ ‬و‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬مسبح‭ ‬او‭ ‬ساحة‭ ‬،‭  ‬التكوين‭ ‬الاساسي‭ ‬للعمل‭ ‬و‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬تكويناتها‭ ‬و‭ ‬هيئاتها‭ ‬الخطية‭ ‬و‭ ‬اللونية‭ . ‬ما‭ ‬وصفناه‭ ‬بالشبكة‭ ‬الزخرفية‭ ‬،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬اعمال‭ ‬الرسامة‭  ‬،‭ ‬غير‭ ‬انسجة‭ ‬من‭ ‬الوان‭ ‬متباينة‭ ‬،‭ ‬فهي‭ ‬هنا‭ ‬توحي‭ ‬بالاصل‭ ‬الزخرفي‭ ‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تقدمه‭ ‬بأسلوبها‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التبسيط‭ ‬و‭ ‬التقشف‭ ‬،‭ ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬اكثر‭ ‬ما‭ ‬يعنيها‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬التجوال‭ ‬بشخوصها‭ ‬الخطية‭ ‬المبتكرة‭ ‬،‭ ‬ضمن‭ ‬بناءات‭ ‬مفتوحة‭ ‬اواخرى‭ ‬مغلقة‭ ‬ومسيجة‭ ‬داخل‭ ‬شبكات‭ ‬مستطيلة‭ ‬مستوحاة‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬الزخرفي‭ ‬الشرقي‭ .‬

  ‬كلمة‭  ‬vestige‭  ‬و‭ ‬الواردة‭  ‬في‭ ‬عنوان‭ ‬المعرض‭ ” “‬Cette part de vestiges en moiة‭” ‬تحمل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬،‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬تحيل‭ ‬الى‭ ‬البقايا‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬انها‭ ‬قد‭ ‬تحيل‭ ‬الي‭ ‬الاثر،‭ ‬غير‭ ‬المادي‭ ‬او‭ ‬المادي‭ ‬مثل‭ ‬اللقي‭ ‬الاثرية‭ ‬او‭ ‬شظايا‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬الزجاج‭ ‬او‭ ‬الخزف‭ . ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬و‭ ‬بتعدد‭ ‬احالاتها‭ ‬،‭ ‬تبدو‭ ‬كلمة‭ ‬مفتاح‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬تجعلنا‭ ‬نعتقد‭ ‬وبكثير‭ ‬من‭ ‬اليقين‭ ‬،‭ ‬بأننا‭ ‬امام‭ ‬تجربة‭ ‬مفتوحة‭ ‬الافاق‭ . ‬تجربة‭ ‬مخصوصة‭ ‬يحيل‭ ‬الذاتي‭ ‬فيها‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جمعي‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالذاكرة‭ ‬و‭ ‬علاقة‭ ‬الذاكرة‭ ‬بالحاضر‭ ‬،‭ ‬فسنية‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬،‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬سليلة‭ ‬مرجعية‭ ‬فنية‭ ‬عايشتها‭ ‬منذ‭ ‬طفولتها‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ايضا‭ ‬المتخرجة‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‭ ‬للفنون‭ ‬بليموج‭ ‬بلجيكا،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬الفنون‭ ‬بكوبينهاغ‭  ‬بالدنمارك‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تحمل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬جيلها‭ ‬من‭ ‬اسئلة‭ ‬و‭ ‬افكار‭ ‬عن‭ ‬الفن‭ ‬و‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬علاقته‭ ‬بالذات‭ ‬و‭ ‬الذاكرة‭ .   

عمر‭ ‬الغدامسي‭ ‬

‫شاهد أيضًا‬

في مكتبة « الصحافة اليوم » محمود قفصية في اصدارين جديدين «كلام فارغ» و «موش مشكل» الخط في تنوعه

يحيل الخط الى الكتابة النصية كما الي الكتابة البصرية اي الى ما يعرف بالرسم الخطي و الذي يم…