2026-05-19

حين‭ ‬تعود‭ ‬الإستثمارات‭ ‬الأجنبية تونس‭ ‬تستعيد‭ ‬عافيتها‭ ‬الاقتصادية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ :‬عادل‭ ‬البرينصي

في‭ ‬عالم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬تتحرّك‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬بدافع‭ ‬العاطفة،‭ ‬ولا‭ ‬يسافر‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الأجنبي‭ ‬حبّا‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬أو‭ ‬المجاملات‭ ‬الدبلوماسية‭. ‬المال،‭ ‬بطبيعته،‭ ‬جبان‭ ‬وحذر،‭ ‬ولا‭ ‬يغامر‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬ضوءا‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬النفق‭. ‬ولهذا‭ ‬فإنّ‭ ‬ارتفاع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬الثلاثي‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2026‭ ‬بنسبة‭ ‬قاربت‭ ‬18،6‭ ‬بالمائة‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬رقم‭ ‬اقتصادي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬إشارة‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ونفسية‭ ‬عميقة‭ ‬الدلالة‭. ‬إنّه‭ ‬أشبه‭ ‬برسالة‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬تقول‭ ‬إنّ‭ ‬تونس،‭ ‬رغم‭ ‬العثرات‭ ‬والأزمات،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬ثقة‭ ‬العالم‭ ‬واسترجاع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مكانتها‭ ‬الاقتصادية‭.‬

لقد‭ ‬تعبت‭ ‬تونس‭ ‬كثيرا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬تعبت‭ ‬من‭ ‬التجاذبات‭ ‬السياسية،‭ ‬ومن‭ ‬الارتباك‭ ‬الإداري،‭ ‬ومن‭ ‬اقتصاد‭ ‬أنهكته‭ ‬المديونية‭ ‬والتضخم‭ ‬والبطالة‭ ‬وتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭. ‬وفي‭ ‬خضمّ‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬القاتم،‭ ‬بدا‭ ‬وكأنّ‭ ‬البلاد‭ ‬تسير‭ ‬نحو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الانكماش‭ ‬النفسي‭ ‬الجماعي،‭ ‬حيث‭ ‬فقد‭ ‬المواطن‭ ‬الثقة،‭ ‬وتردّد‭ ‬المستثمر،‭ ‬وارتبك‭ ‬الفاعل‭ ‬الاقتصادي‭. ‬لكنّ‭ ‬الأرقام‭ ‬الجديدة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬تعيد‭ ‬فتح‭ ‬نافذة‭ ‬الأمل،‭ ‬وتوحي‭ ‬بأنّ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬بدأ‭ ‬يستعيد‭ ‬أنفاسه‭.‬

حين‭ ‬ترتفع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬838‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬فقط،‭ ‬ويتم‭ ‬إحداث‭ ‬آلاف‭ ‬مواطن‭ ‬الشغل‭ ‬الجديدة،‭ ‬فإنّ‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بضخّ‭ ‬أموال‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬بل‭ ‬بتحريك‭ ‬دورة‭ ‬كاملة‭ ‬للحياة‭. ‬الاستثمار‭ ‬ليس‭ ‬رقما‭ ‬جامدا‭ ‬في‭ ‬تقارير‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مصنع‭ ‬يفتح‭ ‬أبوابه،‭ ‬وشاب‭ ‬يجد‭ ‬فرصة‭ ‬عمل،‭ ‬وعائلة‭ ‬تستعيد‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬استقرارها،‭ ‬ومنطقة‭ ‬داخلية‭ ‬تتحرّك‭ ‬فيها‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التهميش‭.‬

ولعلّ‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬أنّها‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬دولي‭ ‬شديد‭ ‬التعقيد‭. ‬العالم‭ ‬يعيش‭ ‬اضطرابات‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبرى،‭ ‬وأسواق‭ ‬المال‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬انتقائية‭ ‬وحذرا،‭ ‬لذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬نجاح‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬14‭ ‬شركة‭ ‬أجنبية‭ ‬جديدة،‭ ‬وعودة‭ ‬ارتفاع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بالأورو‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬ستة‭ ‬عشر‭ ‬عاما،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬باستخفاف‭. ‬فالمستثمر‭ ‬الأجنبي‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬الأرقام،‭ ‬بل‭ ‬يراقب‭ ‬المناخ‭ ‬العام‭: ‬الاستقرار،‭ ‬الكفاءات،‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي،‭ ‬والبنية‭ ‬القانونية‭ ‬والإدارية‭.‬

وتونس،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تمتلك‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬حقيقية‭. ‬فهي‭ ‬بوابة‭ ‬طبيعية‭ ‬بين‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وتملك‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬بشريا‭ ‬يتمتع‭ ‬بكفاءة‭ ‬عالية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والصناعات‭ ‬الميكانيكية‭ ‬والطيران‭ ‬والخدمات‭. ‬ولهذا‭ ‬بدأت‭ ‬شركات‭ ‬أجنبية‭ ‬كبرى‭ ‬توسّع‭ ‬نشاطها‭ ‬داخل‭ ‬البلاد،‭ ‬ليس‭ ‬بدافع‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬لأنّها‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬إمكانية‭ ‬للتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬إنتاج‭ ‬وتصدير‭ ‬تنافسية‭.‬

لكنّ‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬يجلبها،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬وثقافة‭ ‬عمل‭ ‬جديدة‭. ‬فحين‭ ‬تستقرّ‭ ‬شركة‭ ‬دولية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬فإنّها‭ ‬لا‭ ‬تخلق‭ ‬وظائف‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تفرض‭ ‬معايير‭ ‬جديدة‭ ‬للإنتاج‭ ‬والتكوين‭ ‬والإدارة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬تدريجيا‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬بأكمله‭.‬

ثمّة‭ ‬من‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬بعين‭ ‬الريبة،‭ ‬وكأنّه‭ ‬شكل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الهيمنة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬والحقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬توجيهه‭ ‬وربطه‭ ‬بالأولويات‭ ‬الوطنية‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬اقتصاديا‭ ‬لم‭ ‬تنغلق‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬أحسنت‭ ‬استثمار‭ ‬موقعها‭ ‬ومواردها‭ ‬وشراكاتها‭ ‬الدولية‭. ‬الصين‭ ‬نفسها،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬عالمية،‭ ‬فتحت‭ ‬أبوابها‭ ‬للاستثمارات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬لكن‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬وطنية‭ ‬واضحة‭.‬

تونس‭ ‬اليوم‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النفس‭ ‬الجديد‭. ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬تخلق‭ ‬الثروة‭ ‬لا‭ ‬المضاربة،‭ ‬وتدفع‭ ‬نحو‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتصدير‭ ‬لا‭ ‬نحو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الريعي‭. ‬كما‭ ‬تحتاج،‭ ‬بالتوازي،‭ ‬إلى‭ ‬إصلاحات‭ ‬إدارية‭ ‬عميقة،‭ ‬لأنّ‭ ‬المستثمر‭ ‬قد‭ ‬يتحمّل‭ ‬الضرائب‭ ‬أحيانا،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يتحمّل‭ ‬البيروقراطية‭ ‬المعطّلة‭ ‬والغموض‭ ‬الإداري‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المنصة‭ ‬الوطنية‭ ‬للمستثمر،‭ ‬التي‭ ‬يُنتظر‭ ‬إطلاقها‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬المقبل‭. ‬فتبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ترفا،‭ ‬بل‭ ‬شرطا‭ ‬أساسيا‭ ‬لدخول‭ ‬تونس‭ ‬مرحلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭. ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬يتنافس‭ ‬على‭ ‬المستثمر،‭ ‬والدول‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تربح‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الامتيازات‭ ‬المالية،‭ ‬بل‭ ‬بسرعة‭ ‬الخدمات‭ ‬ووضوح‭ ‬القوانين‭ ‬ونجاعة‭ ‬الإدارة‭.‬

كما‭ ‬أنّ‭ ‬احتضان‭ ‬تونس‭ ‬لمنتديات‭ ‬دولية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستثمار‭ ‬والطيران‭ ‬والفضاء‭ ‬يحمل‭ ‬بدوره‭ ‬دلالات‭ ‬تتجاوز‭ ‬الجانب‭ ‬البروتوكولي‭. ‬فهذه‭ ‬التظاهرات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬لقاءات‭ ‬رسمية،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬لتسويق‭ ‬صورة‭ ‬تونس‭ ‬الجديدة‭: ‬بلد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الانفتاح،‭ ‬وعلى‭ ‬استعادة‭ ‬دوره‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يدّعي‭ ‬أنّ‭ ‬الأزمة‭ ‬انتهت،‭ ‬أو‭ ‬أنّ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬تجاوز‭ ‬كلّ‭ ‬مشاكله‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬فالطريق‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬طويلة،‭ ‬والتحديات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬ثقيلة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالبطالة‭ ‬والتفاوت‭ ‬الجهوي‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭. ‬لكنّ‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬اقتصاد‭ ‬ينهار‭ ‬واقتصاد‭ ‬يتعافى،‭ ‬هو‭ ‬وجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭. ‬والاستثمار‭ ‬الأجنبي،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مقاييس‭ ‬هذه‭ ‬الثقة‭.‬

حين‭ ‬يبدأ‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬العودة،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬يغلق‭ ‬بابه‭ ‬أمام‭ ‬تونس‭. ‬وحين‭ ‬تعود‭ ‬الثقة،‭ ‬يمكن‭ ‬للاقتصاد‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬حركته،‭ ‬وللدولة‭ ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الفعل،‭ ‬وللمجتمع‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الأمل‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

في‭ ‬استشراف‭ ‬الأحداث‭ ‬: حسن‭ ‬الإستعداد‭ ‬ضمانة‭ ‬لنجاح‭ ‬موسم‭ ‬الحصاد‭ ‬

ليست‭ ‬الدولة‭ ‬القوية‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تُطفئ‭ ‬الحريق‭ ‬بعد‭ ‬اشتعاله،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬ال…