حين تعود الإستثمارات الأجنبية تونس تستعيد عافيتها الاقتصادية
الصحافة اليوم :عادل البرينصي
في عالم الاقتصاد لا تتحرّك الاستثمارات الأجنبية بدافع العاطفة، ولا يسافر رأس المال الأجنبي حبّا في الجغرافيا أو المجاملات الدبلوماسية. المال، بطبيعته، جبان وحذر، ولا يغامر إلا حين يرى ضوءا في آخر النفق. ولهذا فإنّ ارتفاع الاستثمارات الأجنبية في تونس خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 بنسبة قاربت 18،6 بالمائة ليس مجرّد رقم اقتصادي عابر، بل إشارة سياسية واجتماعية ونفسية عميقة الدلالة. إنّه أشبه برسالة غير معلنة تقول إنّ تونس، رغم العثرات والأزمات، ما تزال قادرة على استعادة ثقة العالم واسترجاع جزء من مكانتها الاقتصادية.
لقد تعبت تونس كثيرا خلال السنوات الأخيرة. تعبت من التجاذبات السياسية، ومن الارتباك الإداري، ومن اقتصاد أنهكته المديونية والتضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية. وفي خضمّ هذا المشهد القاتم، بدا وكأنّ البلاد تسير نحو نوع من الانكماش النفسي الجماعي، حيث فقد المواطن الثقة، وتردّد المستثمر، وارتبك الفاعل الاقتصادي. لكنّ الأرقام الجديدة الخاصة بالاستثمارات الأجنبية تعيد فتح نافذة الأمل، وتوحي بأنّ الاقتصاد التونسي بدأ يستعيد أنفاسه.
حين ترتفع الاستثمارات الأجنبية إلى أكثر من 838 مليون دينار في ثلاثة أشهر فقط، ويتم إحداث آلاف مواطن الشغل الجديدة، فإنّ الأمر لا يتعلق فقط بضخّ أموال في السوق، بل بتحريك دورة كاملة للحياة. الاستثمار ليس رقما جامدا في تقارير المؤسسات المالية، بل هو مصنع يفتح أبوابه، وشاب يجد فرصة عمل، وعائلة تستعيد جزءا من استقرارها، ومنطقة داخلية تتحرّك فيها عجلة الاقتصاد بعد سنوات من التهميش.
ولعلّ أهم ما في هذه المؤشرات أنّها تأتي في ظرف دولي شديد التعقيد. العالم يعيش اضطرابات اقتصادية كبرى، وأسواق المال أصبحت أكثر انتقائية وحذرا، لذلك فإنّ نجاح تونس في استقطاب 14 شركة أجنبية جديدة، وعودة ارتفاع الاستثمارات بالأورو لأول مرة منذ ستة عشر عاما، لا يمكن التعامل معه باستخفاف. فالمستثمر الأجنبي لا ينظر فقط إلى الأرقام، بل يراقب المناخ العام: الاستقرار، الكفاءات، الموقع الجغرافي، والبنية القانونية والإدارية.
وتونس، رغم كل شيء، ما تزال تمتلك عناصر قوة حقيقية. فهي بوابة طبيعية بين إفريقيا وأوروبا، وتملك رأس مال بشريا يتمتع بكفاءة عالية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والصناعات الميكانيكية والطيران والخدمات. ولهذا بدأت شركات أجنبية كبرى توسّع نشاطها داخل البلاد، ليس بدافع الصدفة، بل لأنّها ترى في تونس إمكانية للتحوّل إلى قاعدة إنتاج وتصدير تنافسية.
لكنّ أهمية الاستثمار الأجنبي لا تكمن فقط في الأموال التي يجلبها، بل أيضا في ما يحمله من خبرات وتكنولوجيا وثقافة عمل جديدة. فحين تستقرّ شركة دولية في تونس، فإنّها لا تخلق وظائف فقط، بل تفرض معايير جديدة للإنتاج والتكوين والإدارة، وهو ما ينعكس تدريجيا على الاقتصاد الوطني بأكمله.
ثمّة من ينظر إلى الاستثمار الأجنبي بعين الريبة، وكأنّه شكل جديد من أشكال الهيمنة الاقتصادية. والحقيقة أنّ المشكلة ليست في الاستثمار ذاته، بل في قدرة الدولة على توجيهه وربطه بالأولويات الوطنية. فالدول التي نجحت اقتصاديا لم تنغلق على نفسها، بل أحسنت استثمار موقعها ومواردها وشراكاتها الدولية. الصين نفسها، التي أصبحت اليوم قوة اقتصادية عالمية، فتحت أبوابها للاستثمارات الأجنبية، لكن وفق رؤية وطنية واضحة.
تونس اليوم تحتاج إلى هذا النفس الجديد. تحتاج إلى استثمارات تخلق الثروة لا المضاربة، وتدفع نحو الإنتاج والتصدير لا نحو الاقتصاد الريعي. كما تحتاج، بالتوازي، إلى إصلاحات إدارية عميقة، لأنّ المستثمر قد يتحمّل الضرائب أحيانا، لكنه لا يتحمّل البيروقراطية المعطّلة والغموض الإداري.
ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن المنصة الوطنية للمستثمر، التي يُنتظر إطلاقها خلال شهر جوان المقبل. فتبسيط الإجراءات الإدارية لم يعد ترفا، بل شرطا أساسيا لدخول تونس مرحلة اقتصادية جديدة. العالم اليوم يتنافس على المستثمر، والدول لم تعد تربح فقط بحجم الامتيازات المالية، بل بسرعة الخدمات ووضوح القوانين ونجاعة الإدارة.
كما أنّ احتضان تونس لمنتديات دولية كبرى في مجالات الاستثمار والطيران والفضاء يحمل بدوره دلالات تتجاوز الجانب البروتوكولي. فهذه التظاهرات ليست مجرد لقاءات رسمية، بل أدوات لتسويق صورة تونس الجديدة: بلد قادر على الانفتاح، وعلى استعادة دوره الاقتصادي في المنطقة.
لا أحد يدّعي أنّ الأزمة انتهت، أو أنّ الاقتصاد التونسي تجاوز كلّ مشاكله دفعة واحدة. فالطريق ما تزال طويلة، والتحديات الاجتماعية ما تزال ثقيلة، خاصة في ما يتعلق بالبطالة والتفاوت الجهوي وارتفاع الأسعار. لكنّ الفرق بين اقتصاد ينهار واقتصاد يتعافى، هو وجود مؤشرات على استعادة الثقة. والاستثمار الأجنبي، في النهاية، هو أحد أهم مقاييس هذه الثقة.
حين يبدأ رأس المال الأجنبي في العودة، فهذا يعني أنّ العالم لم يغلق بابه أمام تونس. وحين تعود الثقة، يمكن للاقتصاد أن يستعيد حركته، وللدولة أن تستعيد جزءا من قدرتها على الفعل، وللمجتمع أن يستعيد شيئا من الأمل.
في استشراف الأحداث : حسن الإستعداد ضمانة لنجاح موسم الحصاد
ليست الدولة القوية هي تلك التي تُطفئ الحريق بعد اشتعاله، بل تلك ال…

