من نزيف القطيع إلى الندرة والغلاء: ضرورة تحرّك الدولة لإنقاذ قطاع تربية الماشية
الصحافة اليوم : مصباح الجدي
تعيش تونس منذ سنوات على وقع أزمة متفاقمة في قطاع تربية الماشية، وهو قطاع ظل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الفلاحي والأمن الغذائي في البلاد. وبين ارتفاع أسعار الأعلاف، وتراجع أعداد القطيع، وتنامي ظاهرة التهريب، أصبح ملف اللحوم الحمراء والأضاحي من أكثر الملفات إرباكًا للمواطن والدولة على حدّ سواء، خاصة في بلد يُصنّف تاريخيًا كبلد فلاحي بامتياز.
ومع اقتراب كل موسم عيد أضحى، تعود نفس الأسئلة الثقيلة إلى الواجهة: لماذا أصبحت الأضحية حلمًا صعب المنال لدى آلاف العائلات؟ وكيف تحولت تونس من بلد يملك ثروة حيوانية محترمة إلى سوق مرتبكة تبحث سنويًا عن حلول ظرفية للتوريد والتعديل؟
المتابع للشأن الفلاحي يرى أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو بتقلبات المناخ، بل أصبحت أزمة هيكلية عميقة تتطلب خطة وطنية مستعجلة تعيد الاعتبار لمربي الماشية وتؤسس لرؤية استراتيجية طويلة المدى تحفظ القطيع الوطني وتحقق الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء والأضاحي في آن واحد.
ويؤكد خبراء في القطاع أن مرحلة ما بعد الثورة شهدت غيابًا واضحًا للتخطيط الاستراتيجي في مجال الثروة الحيوانية، بالتوازي مع تنامي التهريب عبر الحدود، حيث تم خلال سنوات تهريب أعداد كبيرة من رؤوس الأغنام والأبقار نحو دول مجاورة، في ظل ضعف المراقبة وارتفاع الطلب الخارجي آنذاك. كما ساهمت موجات الجفاف وغلاء الأعلاف في دفع عدد من الفلاحين إلى التفريط في إناث القطيع، وهو ما أثر بشكل مباشر على عملية التجديد الطبيعي للثروة الحيوانية.
وفي هذا السياق، يقول مربي الأغنام الحبيب العياري، وهو فلاح من إحدى مناطق الوسط التونسي، إن االفلاح لم يعد قادرًا على الصمود وحده أمام هذا الكم من الأعباءب. وأضاف في تصريح لـنا: اسعر العلف يرتفع باستمرار، والأدوية البيطرية أصبحت مكلفة، فيما يظل هامش الربح ضعيفًا. كثير من المربين غادروا القطاع لأنهم لم يعودوا يحتملون الخسائرب ومانراه اليوم ليس إلا انعكاسا لهذه الأزمة التي ستتفاقم خاصة مع اندثار ثروة التين الشوكي في ولايات القيروان وسيدي بوزيد والقصرين وقفصة ذلك أن التين الشوكي يعد من بين الأغذية الحيوانية التي لا يمكن الاستغناء عنها لدى مربي الماشية.
وشدد العياري على أن إنقاذ قطاع الماشية لا يحتاج إلى خطابات فقط، بل إلى إجراءات عملية عاجلة، من بينها دعم الأعلاف بشكل مباشر، وتسهيل القروض للفلاحين الصغار، وتحسين خدمات الإحاطة البيطرية، إلى جانب مقاومة الاحتكار. كما دعا إلى تشجيع الشباب على الاستثمار في تربية الماشية عبر حوافز حقيقية تضمن الاستمرارية والربحية على غرار ماتم القيام به بداية سنوات التسعينات حيث أقدمت الدولة على منح أعداد من رؤوس الأغنام لعائلات محدودة الدخل وساهمت في إنقاذهم اجتماعيا واقتصاديا وفي المقابل ساهموا بشكل مباشر في حماية الثروة الحيوانية من الاندثار .
وأضاف المتحدث أن تونس قادرة على تحقيق اكتفائها الذاتي من اللحوم الحمراء إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة، معتبرًا أن االفلاح التونسي يملك الخبرة، لكنّه يحتاج إلى دولة تحميه وترافقه بدل أن تتركه وحيدًا في مواجهة السوق والمضاربينب.
ويرى مهنيون في القطاع أن أي خطة إنقاذ لقطاع الماشية يجب أن تقوم على جملة من المحاور الأساسية، أبرزها إعادة هيكلة منظومة الأعلاف، والتوسع في الزراعات العلفية، وتطوير السلالات المحلية، وتحسين مردودية الإنتاج، إضافة إلى رقمنة مسالك التوزيع ومراقبة الأسعار والحد من المضاربة.
كما تبرز الحاجة إلى بعث صندوق وطني لدعم الثروة الحيوانية، يكون موجها للتدخل السريع خلال فترات الجفاف والأزمات، خاصة وأن السنوات الأخيرة أثبتت هشاشة القطاع أمام المتغيرات المناخية والاقتصادية.
المؤكد اليوم أن الأمن الغذائي لم يعد مسألة ثانوية، بل أصبح جزءًا من الأمن القومي، وهو ما يفرض على تونس إعادة ترتيب أولوياتها الفلاحية بعيدًا عن الحلول الموسمية والترقيعية. حيث لم يعد المطلوب فقط توفير الأضاحي بأسعار مقبولة أو اللحوم لدى القصابين بأسعار في المتناول، بل بناء سياسة وطنية متكاملة تعيد لتونس قدرتها على الإنتاج وتحافظ على ثروتها الحيوانية للأجيال القادمة.
بينما موجة المقاطعة تجتاح الفضاء الرقمي: انطلاق بيع الأضاحي بالميزان والأسعار غير مقبولة
الصحافة اليوم: مصباح الجدي انطلقت أمس الإثنين، عملية بيع أضاحي العيد…

