2026-05-21

من‭ ‬نزيف‭ ‬القطيع‭ ‬إلى‭ ‬الندرة‭ ‬والغلاء‭:‬ ضرورة‭  ‬تحرّك‭ ‬الدولة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬قطاع‭ ‬تربية‭ ‬الماشية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مصباح‭ ‬الجدي

تعيش‭ ‬تونس‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬أزمة‭ ‬متفاقمة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬تربية‭ ‬الماشية،‭ ‬وهو‭ ‬قطاع‭ ‬ظل‭ ‬لعقود‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفلاحي‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬وبين‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأعلاف،‭ ‬وتراجع‭ ‬أعداد‭ ‬القطيع،‭ ‬وتنامي‭ ‬ظاهرة‭ ‬التهريب،‭ ‬أصبح‭ ‬ملف‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬والأضاحي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الملفات‭ ‬إرباكًا‭ ‬للمواطن‭ ‬والدولة‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يُصنّف‭ ‬تاريخيًا‭ ‬كبلد‭ ‬فلاحي‭ ‬بامتياز‭.‬

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬كل‭ ‬موسم‭ ‬عيد‭ ‬أضحى،‭ ‬تعود‭ ‬نفس‭ ‬الأسئلة‭ ‬الثقيلة‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭: ‬لماذا‭ ‬أصبحت‭ ‬الأضحية‭ ‬حلمًا‭ ‬صعب‭ ‬المنال‭ ‬لدى‭ ‬آلاف‭ ‬العائلات؟‭ ‬وكيف‭ ‬تحولت‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬يملك‭ ‬ثروة‭ ‬حيوانية‭ ‬محترمة‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬مرتبكة‭ ‬تبحث‭ ‬سنويًا‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬ظرفية‭ ‬للتوريد‭ ‬والتعديل؟

المتابع‭ ‬للشأن‭ ‬الفلاحي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬بتقلبات‭ ‬المناخ،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أزمة‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة‭ ‬تتطلب‭ ‬خطة‭ ‬وطنية‭ ‬مستعجلة‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمربي‭ ‬الماشية‭ ‬وتؤسس‭ ‬لرؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬تحفظ‭ ‬القطيع‭ ‬الوطني‭ ‬وتحقق‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬والأضاحي‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

ويؤكد‭ ‬خبراء‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬أن‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬شهدت‭ ‬غيابًا‭ ‬واضحًا‭ ‬للتخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الثروة‭ ‬الحيوانية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬التهريب‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬تهريب‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬رؤوس‭ ‬الأغنام‭ ‬والأبقار‭ ‬نحو‭ ‬دول‭ ‬مجاورة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬المراقبة‭ ‬وارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬الخارجي‭ ‬آنذاك‭. ‬كما‭ ‬ساهمت‭ ‬موجات‭ ‬الجفاف‭ ‬وغلاء‭ ‬الأعلاف‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفلاحين‭ ‬إلى‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬إناث‭ ‬القطيع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬التجديد‭ ‬الطبيعي‭ ‬للثروة‭ ‬الحيوانية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يقول‭ ‬مربي‭ ‬الأغنام‭ ‬الحبيب‭ ‬العياري،‭ ‬وهو‭ ‬فلاح‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬مناطق‭ ‬الوسط‭ ‬التونسي،‭ ‬إن‭ ‬االفلاح‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬وحده‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬الأعباءب‭. ‬وأضاف‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لـنا‭: ‬اسعر‭ ‬العلف‭ ‬يرتفع‭ ‬باستمرار،‭ ‬والأدوية‭ ‬البيطرية‭ ‬أصبحت‭ ‬مكلفة،‭ ‬فيما‭ ‬يظل‭ ‬هامش‭ ‬الربح‭ ‬ضعيفًا‭. ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المربين‭ ‬غادروا‭ ‬القطاع‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬يحتملون‭ ‬الخسائرب‭ ‬ومانراه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬انعكاسا‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬ستتفاقم‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬اندثار‭ ‬ثروة‭ ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬في‭ ‬ولايات‭ ‬القيروان‭ ‬وسيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬والقصرين‭ ‬وقفصة‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأغذية‭ ‬الحيوانية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها‭ ‬لدى‭ ‬مربي‭ ‬الماشية‭.‬

وشدد‭ ‬العياري‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إنقاذ‭ ‬قطاع‭ ‬الماشية‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خطابات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬عاجلة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬دعم‭ ‬الأعلاف‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬وتسهيل‭ ‬القروض‭ ‬للفلاحين‭ ‬الصغار،‭ ‬وتحسين‭ ‬خدمات‭ ‬الإحاطة‭ ‬البيطرية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مقاومة‭ ‬الاحتكار‭. ‬كما‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الماشية‭ ‬عبر‭ ‬حوافز‭ ‬حقيقية‭ ‬تضمن‭ ‬الاستمرارية‭ ‬والربحية‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ماتم‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬بداية‭ ‬سنوات‭ ‬التسعينات‭ ‬حيث‭ ‬أقدمت‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬أعداد‭ ‬من‭ ‬رؤوس‭ ‬الأغنام‭ ‬لعائلات‭ ‬محدودة‭ ‬الدخل‭ ‬وساهمت‭ ‬في‭ ‬إنقاذهم‭ ‬اجتماعيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬ساهموا‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الثروة‭ ‬الحيوانية‭ ‬من‭ ‬الاندثار‭ .‬

وأضاف‭ ‬المتحدث‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬اكتفائها‭ ‬الذاتي‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬إذا‭ ‬توفرت‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬والرؤية‭ ‬الواضحة،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬االفلاح‭ ‬التونسي‭ ‬يملك‭ ‬الخبرة،‭ ‬لكنّه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬تحميه‭ ‬وترافقه‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تتركه‭ ‬وحيدًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬السوق‭ ‬والمضاربينب‭.‬

ويرى‭ ‬مهنيون‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬خطة‭ ‬إنقاذ‭ ‬لقطاع‭ ‬الماشية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬الأساسية،‭ ‬أبرزها‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬منظومة‭ ‬الأعلاف،‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬الزراعات‭ ‬العلفية،‭ ‬وتطوير‭ ‬السلالات‭ ‬المحلية،‭ ‬وتحسين‭ ‬مردودية‭ ‬الإنتاج،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬رقمنة‭ ‬مسالك‭ ‬التوزيع‭ ‬ومراقبة‭ ‬الأسعار‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬المضاربة‭.‬

كما‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بعث‭ ‬صندوق‭ ‬وطني‭ ‬لدعم‭ ‬الثروة‭ ‬الحيوانية،‭ ‬يكون‭ ‬موجها‭ ‬للتدخل‭ ‬السريع‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الجفاف‭ ‬والأزمات،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أثبتت‭ ‬هشاشة‭ ‬القطاع‭ ‬أمام‭ ‬المتغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

المؤكد‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مسألة‭ ‬ثانوية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬الفلاحية‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الحلول‭ ‬الموسمية‭ ‬والترقيعية‭. ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المطلوب‭ ‬فقط‭ ‬توفير‭ ‬الأضاحي‭ ‬بأسعار‭ ‬مقبولة‭ ‬أو‭ ‬اللحوم‭ ‬لدى‭ ‬القصابين‭ ‬بأسعار‭ ‬في‭ ‬المتناول،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬سياسة‭ ‬وطنية‭ ‬متكاملة‭ ‬تعيد‭ ‬لتونس‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬ثروتها‭ ‬الحيوانية‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بينما‭ ‬موجة‭ ‬المقاطعة‭ ‬تجتاح‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭:‬ انطلاق‭ ‬بيع‭ ‬الأضاحي‭ ‬بالميزان‭ ‬والأسعار‭ ‬غير‭ ‬مقبولة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ انطلقت‭ ‬أمس‭ ‬الإثنين،‭ ‬عملية‭ ‬بيع‭ ‬أضاحي‭ ‬العيد‭…