القصّابون يستثمرون في وجع الناس: ترفيع عشوائي في سعر لحم الضأن من 55 إلى 75 دينار
االصحافة اليوم: مصباح الجدي
وسط الضغط النفسي والمادي الذي تعيشه آلاف العائلات التونسية في ظل الارتفاع غير المسبوق لأسعار الأضاحي. وبين من يتمسك بإحياء الشعيرة مهما كانت التكاليف، ومن اضطر إلى المقاطعة أو الاكتفاء بشراء بضعة كيلوغرامات من اللحم، تبدو السوق وكأنها فقدت كل توازنها الأخلاقي والاقتصادي في آن واحد.
فبعد أن كان سعر الكيلوغرام من لحم االضأنب يتراوح في الآونة الأخيرة بين 50 و55 دينارا، قفز هذه الأيام إلى حدود 70 و75 دينارا، وسط حديث متداول بين المواطنين والمهنيين عن إمكانية بلوغه عتبة 100 دينار قبل يوم العيد، وهو رقم صادم يعكس حجم الأزمة التي يعيشها المستهلك التونسي.
هذا الارتفاع دفع العديد من العائلات، وخاصة من الطبقة المتوسطة والضعيفة، إلى التراجع عن فكرة شراء الأضحية بالكامل، والاتجاه نحو شراء كميات محدودة من اللحم من عند القصابين، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من أجواء العيد دون السقوط في ديون إضافية أو استنزاف ما تبقى من القدرة الشرائية.
لكن حتى هذا االحل البديلب لم يعد في متناول الجميع. فأسعار اللحوم بدورها دخلت دائرة اللهيب، ما جعل المواطن يشعر بأنه محاصر من كل الجهات. وفي المقابل، تتصاعد التساؤلات حول أسباب هذا الارتفاع الكبير، وحول دور أجهزة الرقابة، وأيضا حول غياب الحس التضامني في فترة يُفترض أن تنتصر فيها قيم التكافل والتراحم.
عدد من المواطنين ممن التقيناهم في بعض محلات االجزارةب يعتبرون أن غياب الرقابة الفعلية من وزارة التجارة ساهم بشكل مباشر في انفلات الأسعار. فالسوق، وفق تعبيرهم، تُركت لقانون العرض والطلب بطريقة فوضوية، دون سقف واضح للأسعار أو تدخل جدي للحد من المضاربة والاحتكار. كما يرى كثيرون أن بعض الوسطاء والتجار استغلوا لهفة المواطنين على شراء مستلزمات العيد لتحقيق أرباح مضاعفة في ظرف وجيز.
وفي الأحياء الشعبية والأسواق الأسبوعية، تتكرر نفس العبارات على ألسنة الناس: االرحمة ماتتب، االعيد أصبح للأغنياء فقطب، واحتى اللحم لم يعد للفقراءب. من جهة أخرى، يدافع بعض القصابين عن أنفسهم، معتبرين أنهم ليسوا المسؤولين لوحدهم عن ارتفاع الأسعار، بل إن الأزمة تبدأ من المربين وأسعار الأعلاف والنقل واليد العاملة، وصولا إلى ضعف التزويد وارتفاع كلفة التبريد والضرائب. ويؤكد عدد منهم أن هامش الربح الحقيقي ليس بالضخامة التي يتصورها المواطن، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية وتذبذب الإقبال.
غير أن هذا التبرير لا يقنع شريحة واسعة من التونسيين، الذين يرون أن بعض القصابين يدخلون قبل العيد في سباق محموم نحو تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، مستفيدين من حالة القلق واللهفة التي تسيطر على المستهلك في الأيام الأخيرة. ويعتبر هؤلاء أن ما يحدث تجاوز منطق التجارة العادية إلى نوع من االاستثمار في وجع الناسب.
اجتماعيا وأخلاقيا، فإن الأزمة تطرح أسئلة محرجة حول طبيعة المجتمع الذي يتحول فيه العيد من مناسبة للتراحم إلى موسم للضغط والمضاربة والاستنزاف.
وفي ظل هذا المشهد، تتزايد الدعوات إلى تدخل عاجل من الدولة لضبط الأسعار ومراقبة مسالك التوزيع والحد من الاحتكار، إلى جانب دعوات أخرى موجهة للتجار والقصابين من أجل مراعاة الظروف الصعبة التي تمر بها أغلب العائلات التونسية.
فالعيد، في جوهره، ليس سباقا استهلاكيا ولا موسما لامتصاص ما تبقى في جيوب الناس، بل مناسبة دينية وإنسانية تقوم على البساطة والتضامن ومراعاة أحوال الفئات الهشة. غير أن الواقع الحالي يكشف أن كثيرين باتوا يستقبلون العيد بالخوف من المصاريف أكثر من الفرح بقدومه.
من نزيف القطيع إلى الندرة والغلاء: ضرورة تحرّك الدولة لإنقاذ قطاع تربية الماشية
الصحافة اليوم : مصباح الجدي تعيش تونس منذ سنوات على وقع أزمة متفاقمة …

