2026-05-22

القصّابون‭ ‬يستثمرون‭ ‬في‭ ‬وجع‭ ‬الناس‭:‬ ترفيع‭ ‬عشوائي‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬لحم‭ ‬الضأن‭ ‬من‭ ‬55‭ ‬إلى‭ ‬75‭ ‬دينار

االصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

وسط‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬والمادي‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬آلاف‭ ‬العائلات‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الارتفاع‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬لأسعار‭ ‬الأضاحي‭. ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يتمسك‭ ‬بإحياء‭ ‬الشعيرة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬التكاليف،‭ ‬ومن‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬المقاطعة‭ ‬أو‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بشراء‭ ‬بضعة‭ ‬كيلوغرامات‭ ‬من‭ ‬اللحم،‭ ‬تبدو‭ ‬السوق‭ ‬وكأنها‭ ‬فقدت‭ ‬كل‭ ‬توازنها‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬سعر‭ ‬الكيلوغرام‭ ‬من‭ ‬لحم‭ ‬االضأنب‭ ‬يتراوح‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬بين‭ ‬50‭ ‬و55‭ ‬دينارا،‭ ‬قفز‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬70‭ ‬و75‭ ‬دينارا،‭ ‬وسط‭ ‬حديث‭ ‬متداول‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬والمهنيين‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬بلوغه‭ ‬عتبة‭ ‬100‭ ‬دينار‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬العيد،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬صادم‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬المستهلك‭ ‬التونسي‭.‬

هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬دفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العائلات،‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬والضعيفة،‭ ‬إلى‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬شراء‭ ‬الأضحية‭ ‬بالكامل،‭ ‬والاتجاه‭ ‬نحو‭ ‬شراء‭ ‬كميات‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬القصابين،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬أجواء‭ ‬العيد‭ ‬دون‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬ديون‭ ‬إضافية‭ ‬أو‭ ‬استنزاف‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭.‬

لكن‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬االحل‭ ‬البديلب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬الجميع‭. ‬فأسعار‭ ‬اللحوم‭ ‬بدورها‭ ‬دخلت‭ ‬دائرة‭ ‬اللهيب،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬المواطن‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬محاصر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الجهات‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تتصاعد‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير،‭ ‬وحول‭ ‬دور‭ ‬أجهزة‭ ‬الرقابة،‭ ‬وأيضا‭ ‬حول‭ ‬غياب‭ ‬الحس‭ ‬التضامني‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬فيها‭ ‬قيم‭ ‬التكافل‭ ‬والتراحم‭.‬

عدد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬ممن‭  ‬التقيناهم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬محلات‭ ‬االجزارةب‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الرقابة‭ ‬الفعلية‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬التجارة‭ ‬ساهم‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬انفلات‭ ‬الأسعار‭. ‬فالسوق،‭ ‬وفق‭ ‬تعبيرهم،‭ ‬تُركت‭ ‬لقانون‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬بطريقة‭ ‬فوضوية،‭ ‬دون‭ ‬سقف‭ ‬واضح‭ ‬للأسعار‭ ‬أو‭ ‬تدخل‭ ‬جدي‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬المضاربة‭ ‬والاحتكار‭. ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الوسطاء‭ ‬والتجار‭ ‬استغلوا‭ ‬لهفة‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬مستلزمات‭ ‬العيد‭ ‬لتحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬مضاعفة‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬وجيز‭.‬

وفي‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬والأسواق‭ ‬الأسبوعية،‭ ‬تتكرر‭ ‬نفس‭ ‬العبارات‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬الناس‭: ‬االرحمة‭ ‬ماتتب،‭ ‬االعيد‭ ‬أصبح‭ ‬للأغنياء‭ ‬فقطب،‭ ‬واحتى‭ ‬اللحم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للفقراءب‭. ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يدافع‭ ‬بعض‭ ‬القصابين‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم،‭ ‬معتبرين‭ ‬أنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬المسؤولين‭ ‬لوحدهم‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الأزمة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭  ‬المربين‭ ‬وأسعار‭ ‬الأعلاف‭ ‬والنقل‭ ‬واليد‭ ‬العاملة،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬التزويد‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التبريد‭ ‬والضرائب‭. ‬ويؤكد‭ ‬عدد‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬هامش‭ ‬الربح‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬بالضخامة‭ ‬التي‭ ‬يتصورها‭ ‬المواطن،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وتذبذب‭ ‬الإقبال‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التبرير‭ ‬لا‭ ‬يقنع‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التونسيين،‭ ‬الذين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬القصابين‭ ‬يدخلون‭ ‬قبل‭ ‬العيد‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬محموم‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الأرباح،‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬القلق‭ ‬واللهفة‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭. ‬ويعتبر‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬تجاوز‭ ‬منطق‭ ‬التجارة‭ ‬العادية‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬االاستثمار‭ ‬في‭ ‬وجع‭ ‬الناسب‭.‬

اجتماعيا‭ ‬وأخلاقيا،‭ ‬فإن‭ ‬الأزمة‭ ‬تطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬محرجة‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬فيه‭ ‬العيد‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬للتراحم‭ ‬إلى‭ ‬موسم‭ ‬للضغط‭ ‬والمضاربة‭ ‬والاستنزاف‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬تتزايد‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬عاجل‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬لضبط‭ ‬الأسعار‭ ‬ومراقبة‭ ‬مسالك‭ ‬التوزيع‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الاحتكار،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دعوات‭ ‬أخرى‭ ‬موجهة‭ ‬للتجار‭ ‬والقصابين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مراعاة‭ ‬الظروف‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬أغلب‭ ‬العائلات‭ ‬التونسية‭.‬

فالعيد،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬ليس‭ ‬سباقا‭ ‬استهلاكيا‭ ‬ولا‭ ‬موسما‭ ‬لامتصاص‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬جيوب‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬مناسبة‭ ‬دينية‭ ‬وإنسانية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬البساطة‭ ‬والتضامن‭ ‬ومراعاة‭ ‬أحوال‭ ‬الفئات‭ ‬الهشة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الحالي‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬باتوا‭ ‬يستقبلون‭ ‬العيد‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬المصاريف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الفرح‭ ‬بقدومه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

من‭ ‬نزيف‭ ‬القطيع‭ ‬إلى‭ ‬الندرة‭ ‬والغلاء‭:‬ ضرورة‭  ‬تحرّك‭ ‬الدولة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬قطاع‭ ‬تربية‭ ‬الماشية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مصباح‭ ‬الجدي تعيش‭ ‬تونس‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬أزمة‭ ‬متفاقمة‭ …