2026-05-24

تونس‭ ‬تمتنع‭ ‬عن‭ ‬التصويت‭ ‬لقرار‭ ‬أممي‭ ‬يقيد‭ ‬استخدام‭  ‬الوقود‭ ‬الأحفوري خطوة‭ ‬ضرورية‭ ‬لحماية‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي‭ ‬و‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التنافسية

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬شكري‭ ‬بن‭ ‬منصور‭ ‬

شهدت‭ ‬أروقة‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع‭ ‬موقفاً‭ ‬دبلوماسيا‭ ‬لافتا‭ ‬لتونس‭ ‬حيث‭ ‬قررت‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬التصويت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تسع‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬أخرى،‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬أممي‭ ‬جديد‭ (‬A/80‭/‬L.65‭) ‬يُلزم‭ ‬الدول‭ ‬قانونياً‭ ‬بمكافحة‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الاحترار‭ ‬العالمي‭ ‬عند‭ ‬1,5‭ ‬درجة‭ ‬مائوية‭. ‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬حظي‭ ‬بأغلبية‭ ‬ساحقة‭ ‬بلغت‭ ‬141‭ ‬صوتا‭ ‬مؤيدا‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحفظ‭ ‬التونسي‭ ‬والعربي‭ ‬ركز‭ ‬تحديدا‭ ‬على‭ ‬المادة‭ ‬4‭ ‬من‭ ‬النص‭. ‬ويكمن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬لهذا‭ ‬الامتناع‭ ‬في‭ ‬المخاوف‭ ‬الجدية‭ ‬من‭ ‬الانعكاسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المباشرة‭ ‬لهذه‭ ‬الالتزامات‭ ‬حيث‭ ‬ترى‭ ‬تونس‭ ‬أن‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬قانونية‭ ‬صارمة‭ ‬ومفاجئة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬يمس‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بأمن‭ ‬التزوّد‭ ‬بالطاقة‭ ‬ومسارات‭ ‬التنمية‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يمر‭ ‬فيه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬بمرحلة‭ ‬دقيقة‭ ‬لإعادة‭ ‬التعافي‭.‬

وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬يثير‭ ‬القرار‭ ‬مخاوف‭ ‬قانونية‭ ‬بشأن‭ ‬المحاسبة‭ ‬والتعويض‭  ‬فالنص‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬الرأي‭ ‬الاستشاري‭ ‬لمحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬ينقل‭ ‬العمل‭ ‬المناخي‭ ‬من‭ ‬اتعهدات‭ ‬سياسية‭ ‬طوعيةب‭ ‬إلى‭ ‬االتزامات‭ ‬قانونية‭ ‬دوليةب‭ ‬ترتبط‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬لاعتبار‭ ‬التقاعس‭ ‬المناخي‭ ‬فعلا‭ ‬غير‭ ‬مشروع،‭ ‬ويمنح‭ ‬الدول‭ ‬المتضررة‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬المطالبة‭ ‬بتعويضات‭ ‬مالية‭. ‬وتدافع‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬عن‭ ‬مبدأ‭ ‬االعدالة‭ ‬المناخية‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامةب‭ ‬الذي‭ ‬يوجب‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬المسؤولة‭ ‬تاريخياً‭ ‬عن‭ ‬الكتلة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الانبعاثات‭ ‬تحمل‭ ‬التكلفة‭ ‬المالية‭ ‬الكاملة‭ ‬ونقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬إلقاء‭ ‬أعباء‭ ‬متساوية‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬دون‭ ‬آليات‭ ‬دعم‭ ‬واضحة‭. ‬و‭ ‬جاء‭ ‬الموقف‭ ‬التونسي‭ ‬متوازناً‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعارض‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬ولكنه‭ ‬يرفض‭ ‬الصياغات‭ ‬القانونية‭ ‬المفروضة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُستغل‭ ‬مستقبلاً‭ ‬لفرض‭ ‬قيود‭ ‬وعقوبات‭ ‬تعيق‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬التدريجي‭ ‬والآمن‭ ‬وتثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭ ‬بمتطلبات‭ ‬تفوق‭ ‬قدراتها‭ ‬الحالية‭.‬

كما‭ ‬ينطوي‭ ‬قرار‭ ‬تونس‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬للالتزامات‭ ‬المناخية‭ ‬على‭ ‬أبعاد‭ ‬اقتصادية‭ ‬استراتيجية‭ ‬حاسمة‭ ‬ترتبط‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بالتوازنات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭ ‬التجاري‭ ‬والصناعي‭. ‬ويأتي‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬الأبعاد‭ ‬حماية‭ ‬أمن‭ ‬التزود‭ ‬بالطاقة‭ ‬وتفادي‭ ‬صدمات‭ ‬الأسعار‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬تونس‭ ‬هيكلياً‭ ‬على‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬لإنتاج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬95%‭ ‬من‭ ‬كهربائها‭ ‬والامتثال‭ ‬الفوري‭ ‬لبنود‭ ‬التخلص‭ ‬السريع‭ ‬من‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬سيجبر‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬المستعجل‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬طاقية‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن‭ ‬أو‭ ‬استيراد‭ ‬الكهرباء‭ ‬بأسعار‭ ‬مرتفعة‭ ‬مما‭ ‬يعمق‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬الطاقي‭ ‬ويهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬للمؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬كـالشركة‭ ‬التونسية‭ ‬للكهرباء‭ ‬والغاز‭.‬

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يهدف‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬إلى‭ ‬تفادي‭ ‬أعباء‭ ‬التمويل‭ ‬الذاتي‭ ‬للانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬فبناء‭ ‬محطات‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬حصتها‭ ‬الحالية‭ ‬4%‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬الوطني‭ ‬يتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬لا‭ ‬تتحملها‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬المثقلة‭ ‬بالديون‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التحفظ‭ ‬تتمسك‭ ‬تونس‭ ‬بمبدأ‭ ‬حصول‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬تمويلات‭ ‬ومساعدات‭ ‬مالية‭ ‬مباشرة‭ ‬غير‭ ‬مشروطة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬المسؤولة‭ ‬تاريخياً‭ ‬عن‭ ‬التلوث‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاقتراض‭ ‬مجدداً‭. ‬

كما‭ ‬يكتسي‭ ‬القرار‭ ‬بعداً‭ ‬وقائياً‭ ‬عبر‭ ‬درء‭ ‬مخاطر‭ ‬الملاحقات‭ ‬القضائية‭ ‬والتعويضات‭ ‬المالية‭ ‬اذ‭ ‬إن‭ ‬تحويل‭ ‬الالتزامات‭ ‬المناخية‭ ‬إلى‭ ‬صبغة‭ ‬قانونية‭ ‬ملزمة‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬لفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬أو‭ ‬غرامات‭ ‬دولية‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬البيئية‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يضر‭ ‬بالتصنيف‭ ‬الائتماني‭ ‬للبلاد‭.‬و‭ ‬أخيراً‭ ‬يضمن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تنافسية‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭ ‬التونسي‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬فالفرض‭ ‬الفجئي‭ ‬لمعايير‭ ‬بيئية‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬المصانع‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬كالنسيج‭ ‬والميكانيك‭ ‬والصناعات‭ ‬الغذائية‭ ‬كان‭ ‬سيتسبب‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وفقدان‭ ‬الأسواق‭ ‬التصديرية،‭ ‬وتراجع‭ ‬جاذبية‭ ‬مناخ‭ ‬الأعمال‭ ‬أمام‭ ‬الرساميل‭ ‬الأجنبية‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬مرونة‭ ‬تشريعية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

عن تأهيل مسالك التوزيع ورقمنة الأسعار

كشفت دراسة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات حول «تأهيل مسالك توزيع المنتجات الفلاحية في تونس»…