تونس تمتنع عن التصويت لقرار أممي يقيد استخدام الوقود الأحفوري خطوة ضرورية لحماية الأمن الطاقي و الحفاظ على التنافسية
الصحافة اليوم: شكري بن منصور
شهدت أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا الأسبوع موقفاً دبلوماسيا لافتا لتونس حيث قررت الامتناع عن التصويت إلى جانب تسع دول عربية أخرى، على قرار أممي جديد (A/80/L.65) يُلزم الدول قانونياً بمكافحة التغير المناخي والحد من الاحترار العالمي عند 1,5 درجة مائوية.
ورغم أن القرار حظي بأغلبية ساحقة بلغت 141 صوتا مؤيدا إلا أن التحفظ التونسي والعربي ركز تحديدا على المادة 4 من النص. ويكمن السبب الرئيسي لهذا الامتناع في المخاوف الجدية من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية المباشرة لهذه الالتزامات حيث ترى تونس أن فرض قيود قانونية صارمة ومفاجئة على استخدام الوقود الأحفوري يمس بشكل مباشر بأمن التزوّد بالطاقة ومسارات التنمية الوطنية في وقت يمر فيه الاقتصاد المحلي بمرحلة دقيقة لإعادة التعافي.
وعلاوة على ذلك يثير القرار مخاوف قانونية بشأن المحاسبة والتعويض فالنص المستند إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية ينقل العمل المناخي من اتعهدات سياسية طوعيةب إلى االتزامات قانونية دوليةب ترتبط بحقوق الإنسان مما قد يفتح الباب لاعتبار التقاعس المناخي فعلا غير مشروع، ويمنح الدول المتضررة الحق في المطالبة بتعويضات مالية. وتدافع تونس في سياق هذا الموقف عن مبدأ االعدالة المناخية والتنمية المستدامةب الذي يوجب على الدول الصناعية الكبرى المسؤولة تاريخياً عن الكتلة الأكبر من الانبعاثات تحمل التكلفة المالية الكاملة ونقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، بدلا من إلقاء أعباء متساوية على الجميع دون آليات دعم واضحة. و جاء الموقف التونسي متوازناً فهو لا يعارض حماية البيئة ولكنه يرفض الصياغات القانونية المفروضة التي قد تُستغل مستقبلاً لفرض قيود وعقوبات تعيق الانتقال الطاقي التدريجي والآمن وتثقل كاهل الميزانية العامة للدولة بمتطلبات تفوق قدراتها الحالية.
كما ينطوي قرار تونس بالامتناع عن التصويت على القرار الأممي للالتزامات المناخية على أبعاد اقتصادية استراتيجية حاسمة ترتبط بشكل مباشر بالتوازنات المالية الكبرى والمحافظة على وتيرة النمو التجاري والصناعي. ويأتي في مقدمة هذه الأبعاد حماية أمن التزود بالطاقة وتفادي صدمات الأسعار إذ تعتمد تونس هيكلياً على الغاز الطبيعي لإنتاج أكثر من 95% من كهربائها والامتثال الفوري لبنود التخلص السريع من الوقود الأحفوري سيجبر الدولة على البحث المستعجل عن بدائل طاقية باهظة الثمن أو استيراد الكهرباء بأسعار مرتفعة مما يعمق العجز التجاري الطاقي ويهدد الاستقرار المالي للمؤسسات العمومية كـالشركة التونسية للكهرباء والغاز.
ومن ناحية أخرى يهدف هذا الموقف الدبلوماسي إلى تفادي أعباء التمويل الذاتي للانتقال الطاقي فبناء محطات الطاقات المتجددة التي لا تتجاوز حصتها الحالية 4% من الإنتاج الوطني يتطلب استثمارات ضخمة لا تتحملها ميزانية الدولة المثقلة بالديون. ومن خلال هذا التحفظ تتمسك تونس بمبدأ حصول الدول النامية على تمويلات ومساعدات مالية مباشرة غير مشروطة من الدول الصناعية الكبرى المسؤولة تاريخياً عن التلوث بدلاً من الاقتراض مجدداً.
كما يكتسي القرار بعداً وقائياً عبر درء مخاطر الملاحقات القضائية والتعويضات المالية اذ إن تحويل الالتزامات المناخية إلى صبغة قانونية ملزمة يفتح الباب لفرض عقوبات أو غرامات دولية على الدول التي تعجز عن تحقيق أهدافها البيئية وهو ما قد يضر بالتصنيف الائتماني للبلاد.و أخيراً يضمن هذا التوجه الحفاظ على تنافسية القطاع الصناعي التونسي وجذب الاستثمار فالفرض الفجئي لمعايير بيئية صارمة على المصانع التونسية في قطاعات حيوية كالنسيج والميكانيك والصناعات الغذائية كان سيتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج، وفقدان الأسواق التصديرية، وتراجع جاذبية مناخ الأعمال أمام الرساميل الأجنبية الباحثة عن مرونة تشريعية.
عن تأهيل مسالك التوزيع ورقمنة الأسعار
كشفت دراسة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات حول «تأهيل مسالك توزيع المنتجات الفلاحية في تونس»…

