حادثة التّسمم الغذائي بسيدي بوزيد: إعادة الجدل حول سلامة الأطعمة مع ارتفاع درجات الحرارة
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
خيّم الحزن على منطقة قرية النصر الواقعة بين منزل بوزيان والمكناسي من ولاية سيدي بوزيد، إثر حادثة تسمم غذائي أليمة جدّت خلال أيام عيد الأضحى المبارك، وأسفرت وفق معطيات أولية عن وفاة شخصين وإصابة سبعة آخرين تم نقلهم إلى المستشفى الجامعي بسيدي بوزيد لتلقي الإسعافات الضرورية والخضوع للمتابعة الطبية الدقيقة.
الحادثة التي هزّت أهالي الجهة جاءت في وقت يفترض أن تطغى فيه أجواء الفرح وصلة الرحم وتبادل الزيارات العائلية. غير أن مأدبة غذاء جمعت عائلتين تحولت، في ظرف ساعات، إلى مأساة إنسانية مؤلمة، بعد ظهور أعراض صحية حادة على عدد من الحاضرين، تمثلت أساسا في آلام بالبطن وحالات قيء وإعياء شديد، قبل أن تتطور الوضعية الصحية لبعضهم بشكل خطير.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الوجبة التي تم تناولها كانت عبارة عن اكسكسي بالعصبانب، وهي من الأكلات التقليدية التي تحضر بكثرة خلال المناسبات والأعياد في تونس، خاصة في المناطق الداخلية. غير أن هذه الأطباق، رغم رمزيتها الاجتماعية والتراثية، تبقى حساسة للغاية من الناحية الصحية، خصوصا عند سوء حفظ مكوناتها أو تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة لفترات طويلة، وهو ما يفتح الباب أمام تكاثر البكتيريا والجراثيم المسببة للتسمم الغذائي.
وفي انتظار نتائج التحاليل الطبية والاختبارات المخبرية الرسمية التي ستحدد بدقة مصدر التسمم وطبيعته، تعالت الدعوات إلى ضرورة مزيد الانتباه لشروط حفظ الأطعمة المنزلية، خاصة تلك التي تعتمد على الأحشاء واللحوم سريعة التعفن، في ظل موجات الحر التي تشهدها البلاد مع بداية فصل الصيف.
ولئن تبقى هذه الحادثة مرتبطة مبدئيا بوجبة غذائية تقليدية، فإنها أعادت إلى الواجهة أيضا المخاوف المتزايدة لدى المواطنين بشأن سلامة عدد من الغلال البدرية التي تغزو الأسواق هذه الأيام، على غرار االدلاعب واالبطيخب واالمشمشب، والتي يشتكي عدد من المستهلكين من تسببها في آلام حادة بالبطن واضطرابات هضمية مباشرة بعد تناولها خلال هذه الفترة.
مصادر صيدلانية تحدثت لـاالصحافة اليومب عن تزايد مثل هذه الحالات خلال الفترة الأخيرة، مرجحة أن تكون مرتبطة بكميات الأدوية والمواد الكيميائية المستعملة لتسريع نمو بعض الغلال وجعلها تنضج قبل أوانها الطبيعي، حتى يتم ترويجها مبكرا في الأسواق وتحقيق أرباح أكبر في فترة تشهد إقبالا مرتفعا على استهلاك الفواكه الصيفية.
ويثير هذا الوضع مخاوف حقيقية لدى التونسيين، خاصة مع تنامي الشعور بضعف الرقابة على بعض مسالك التوزيع والإنتاج الفلاحي، في وقت أصبحت فيه سلامة الغذاء قضية يومية تمس صحة المواطن بشكل مباشر. فالكثير من العائلات لم تعد تخشى فقط ارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية، بل أصبحت تتوجس أيضا من جودة ما تضعه على موائدها.
إن تكرار حوادث التسمم، سواء المرتبطة بالأكلات التقليدية أو بالغلال المبكرة، يكشف الحاجة الملحة إلى تعزيز ثقافة السلامة الغذائية داخل المنازل والأسواق على حد سواء، إضافة إلى تكثيف حملات المراقبة الصحية والزجر الاقتصادي لحماية المستهلك من كل التجاوزات الممكنة.
كما يؤكد مختصون أن ارتفاع درجات الحرارة خلال هذه الفترة يجعل من الضروري احترام شروط حفظ الأطعمة المبردة وعدم تركها لساعات طويلة خارج التبريد، إلى جانب غسل الغلال جيدا قبل استهلاكها والتثبت قدر الإمكان من مصادرها وجودتها.
وبين مأساة سيدي بوزيد ومخاوف التونسيين من االغلال المسرطنةب كما يسميها البعض في الأحاديث اليومية، تتجدد الأسئلة حول مدى نجاعة منظومة المراقبة الصحية والغذائية، وحول قدرة الهياكل المعنية على طمأنة المواطن الذي أصبح يعيش قلقا متصاعدا حتى من أبسط تفاصيل غذائه اليومي.
حادثة مؤلمة قد تكشف التحقيقات تفاصيلها الكاملة خلال الأيام القادمة، لكنها في كل الحالات أعادت التذكير بأن الإهمال الغذائي، سواء داخل المنازل أو في مراحل الإنتاج والتوزيع، قد يحول لحظات الفرح واللقاء العائلي إلى فاجعة حقيقية.
بين هاجس النزاهة وتحديات التكنولوجيا: الغش الإلكتروني..معركة متجددة كل عام في الباكالوريا
الصحافة اليوم: مصباح الجدي مع انطلاق امتحانات الباكالوريا في تونس، يع…
