حين تتحول الكفاءات إلى قوة وطنية: تونس على موعد مع العالم في مؤتمر القمح 2028
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
في عالم يتغيّر بسرعة، لم تعد قيمة الدول تُقاس فقط بما تملكه من ثروات طبيعية أو قدرات مالية، بل أيضا بما تملكه من عقول قادرة على إنتاج المعرفة، وتحويل البحث العلمي إلى قوة تأثير ونفوذ واحترام. ولذلك، فإن تسلّم تونس بمدينة بولونيا الإيطالية مشعل تنظيم الدورة الخامسة للمؤتمر الدولي للقمح سنة 2028، ليس مجرد موعد علمي عابر، بل اعتراف دولي جديد بأن هذا البلد الصغير جغرافيا ما يزال قادرا على إنتاج الكفاءة والمعرفة، وعلى فرض حضوره في فضاءات علمية عالمية شديدة التنافس.
فالمؤتمر الدولي للقمح ليس تظاهرة بروتوكولية أو معرضا فلاحيا تقليديا. إنه واحد من أهم اللقاءات العلمية الدولية المتخصصة في الحبوب والأمن الغذائي والتقنيات الزراعية الحديثة. ويكفي أن نعلم أن دوراته السابقة احتضنتها كندا والصين وأستراليا وإيطاليا حتى ندرك أن اختيار تونس لاستضافة دورة 2028 لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل نتيجة ثقة حقيقية في كفاءات علمية تونسية أثبتت حضورها في مجال البحث الزراعي، وخاصة في قطاع الحبوب الذي أصبح اليوم جزءا من معركة الأمن الغذائي العالمي.
ولعلّ أجمل ما في هذا الخبر أن من حمل صورة تونس العلمية في الجلسة الختامية للمؤتمر كانت كفاءات تونسية شابة تعمل بصمت داخل مراكز البحث، بعيدا عن الأضواء والصخب. فالدكتورة سارة بن مبارك والدكتور كريم عمار لم يقدما مجرد عرض تقني حول استعدادات تونس، بل قدما صورة بلد ما يزال فيه من يؤمن بالعلم والعمل والمعرفة، رغم كل الإحباطات التي تحاصر الباحث والجامعة ومراكز البحث.
وما هذا الاختيار إلا تذكير بأن تونس ليست فقط بلدا يبحث عن حلول لأزماته، بل أيضا بلدا يملك عقولا قادرة على المساهمة في حل أزمات العالم نفسه.
فالقمح اليوم ليس مجرد محصول زراعي. إنه قضية سيادة واستقرار وأمن قومي. والحروب الأخيرة، من أوكرانيا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، كشفت أن الغذاء يمكن أن يتحول إلى سلاح، وأن الدول التي لا تملك القدرة على تطوير فلاحتها وبحوثها الزراعية ستبقى رهينة الخارج وتقلبات الأسواق الدولية.
ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر الذي ستحتضنه تونس سنة 2028. فهو فرصة علمية، نعم، لكنه أيضا فرصة اقتصادية واستراتيجية ودبلوماسية. فرصة لتأكيد أن تونس قادرة على أن تكون فضاء للبحث والابتكار والنقاش العلمي الدولي، لا مجرد سوق استهلاكية للتكنولوجيا والمعرفة القادمة من الخارج.
كما أن احتضان مؤتمر بهذا الحجم سيعيد تسليط الضوء على مناطق تونس الزراعية، وخاصة ولاية باجة التي تمثل واحدة من أهم مناطق إنتاج الحبوب في البلاد، والتي طالما وُصفت بأنها اسلّة خبز تونسب. فحين تصبح هذه الجهات جزءا من النقاش العلمي العالمي حول مستقبل القمح والتقنيات الزراعية الحديثة والهندسة الوراثية والأمن الغذائي، فإن ذلك يمنحها قيمة جديدة تتجاوز بعدها المحلي التقليدي.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الحدث تكمن أيضا في الرسالة التي يبعثها إلى الداخل التونسي نفسه. رسالة تقول إن الاستثمار في البحث العلمي ليس ترفا، وإن الجامعة ليست عبءا على الدولة، وإن الباحث الذي يعمل داخل مخبر بسيط قد يكون أحيانا أكثر قدرة على خدمة صورة بلاده من عشرات الحملات الدعائية والخطابات السياسية.
لقد عانت الكفاءات التونسية طويلا من التهميش وضعف الإمكانيات وهجرة العقول. وكثير من الباحثين اضطروا إلى مغادرة البلاد بحثا عن مختبرات أفضل وتمويل أكبر وتقدير أوسع. ومع ذلك، بقيت تونس تحتفظ بقدرة عجيبة على إنتاج التميز العلمي. وهذه مفارقة تستحق التأمل: بلد يعاني اقتصاديا، لكنه يواصل تصدير العقول والخبرات إلى العالم.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم مؤتمر دولي ناجح، بل في تحويل هذا الاعتراف العلمي إلى سياسة وطنية واضحة تجعل من البحث والتطوير أولوية استراتيجية. فالدول التي تحترم نفسها اليوم تتنافس على العلماء، وتخصص ميزانيات ضخمة للبحث الزراعي والطبي والتكنولوجي، لأنها تدرك أن المستقبل لن يكون لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يعرف كيف يطورها ويستثمرها علميا.
وتونس، بحكم موقعها ومناخها وخبراتها، قادرة على أن تصبح مركزا إقليميا للبحوث الزراعية المتوسطية والإفريقية، خاصة في ظل التحديات المناخية وشح المياه وارتفاع الطلب العالمي على الغذاء. لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تربط الجامعة بالاقتصاد، والبحث العلمي بالتنمية، والكفاءة الوطنية بالمشروع الوطني.
إن صورة تونس التي ستظهر سنة 2028 أمام مئات الباحثين والخبراء وصنّاع القرار من مختلف أنحاء العالم، لن تكون مجرد صورة قاعات ومؤتمرات وفنادق. بل ستكون صورة بلد يريد أن يقول إنه، رغم كل الصعوبات، ما يزال قادرا على التفكير والإبداع وإنتاج المعرفة.
إفريقيا… حين تبحث تونس عن سوق أرحب
الصحافة اليوم: عادل البرينصي لم تعد إفريقيا ذلك االعمق المنسيب الذي كا…

