2026-06-03

بين‭ ‬هاجس‭ ‬النزاهة‭ ‬وتحديات‭ ‬التكنولوجيا‭:‬ الغش‭ ‬الإلكتروني‭..‬معركة‭ ‬متجددة‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬الباكالوريا

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

مع‭ ‬انطلاق‭ ‬امتحانات‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬يعود‭ ‬الحديث‭ ‬بقوة‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المنظومة‭ ‬التربوية‭.‬فبين‭ ‬تشديد‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬حماية‭ ‬مصداقية‭ ‬الامتحانات‭ ‬الوطنية‭ ‬واتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬رقابية‭ ‬صارمة،‭ ‬تتواصل‭ ‬محاولات‭ ‬بعض‭ ‬الشبكات‭ ‬المختصة‭ ‬في‭ ‬الغش‭ ‬لتطوير‭ ‬أساليبها‭ ‬ومواكبة‭ ‬كل‭ ‬التدابير‭ ‬الجديدة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المعركة‭ ‬مفتوحة‭ ‬ومتجددة‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭.‬

وخلال‭ ‬الاجتماعات‭ ‬التي‭ ‬عقدتها‭ ‬المندوبيات‭ ‬الجهوية‭ ‬للتربية‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬مع‭ ‬الأساتذة‭ ‬المكلفين‭ ‬بمراقبة‭ ‬الامتحانات،‭ ‬حضر‭ ‬ملف‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬بقوة‭. ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬اليقظة‭ ‬والتفطن‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الأساليب‭ ‬المستحدثة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يعتمدها‭ ‬بعض‭ ‬المترشحين‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المراقبين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الملقاة‭ ‬على‭ ‬عاتقهم‭ ‬أصبح‭ ‬كبيراً،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬وسائل‭ ‬الغش‭ ‬وصعوبة‭ ‬اكتشاف‭ ‬بعضها،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬يرى‭ ‬معها‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬الخطاب‭ ‬الموجه‭ ‬إليهم‭ ‬يحمل‭ ‬أحياناً‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬ومسؤولية‭ ‬ظاهرة‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إمكانيات‭ ‬المراقبة‭ ‬التقليدية‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تؤكد‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مبدإ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬المترشحين‭ ‬يقتضي‭ ‬مواصلة‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الغش‭ ‬بمختلف‭ ‬أشكاله‭. ‬وقد‭ ‬شدد‭ ‬وزير‭ ‬التربية‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬التصدي‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬تمس‭  ‬مصداقية‭ ‬الامتحانات‭ ‬الوطنية‭ ‬وقيمة‭ ‬الشهادات‭ ‬العلمية،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬تربوي‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬ضمان‭ ‬نزاهة‭ ‬التقييم‭ ‬والامتحانات‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬هو‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬المتسارع؟

ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً،‭ ‬ظهرت‭ ‬أيضاً‭ ‬وسائل‭ ‬غش‭ ‬دقيقة‭ ‬يصعب‭ ‬اكتشافها‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬السماعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬جداً‭ ‬التي‭ ‬توضع‭ ‬داخل‭ ‬الأذن،‭ ‬والتي‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬التونسيون‭ ‬عادة‭ ‬اسم‭ ‬االحمصةب‭. ‬وتقوم‭ ‬بعض‭ ‬الشبكات‭ ‬الخارجية‭ ‬بالتواصل‭ ‬مع‭ ‬المترشح‭ ‬أثناء‭ ‬الامتحان‭ ‬وتزويده‭ ‬بالإجابات‭ ‬أو‭ ‬المساعدة‭ ‬المطلوبة‭ ‬دون‭ ‬إثارة‭ ‬الشبهات،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬وسائل‭ ‬الكشف‭ ‬المتاحة‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬رصد‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬المتطورة‭.‬

وتشير‭ ‬معطيات‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬التربوية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬شبكات‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـاالكيتب‭ ‬أصبحت‭ ‬تنشط‭ ‬بشكل‭ ‬منظم‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الامتحانات‭ ‬الوطنية،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬التقني‭ ‬ومن‭ ‬الطلب‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬خدماتها‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬التلاميذ‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬النجاح‭ ‬بأي‭ ‬وسيلة‭. ‬كما‭ ‬يتحدث‭ ‬كثيرون‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬الاساتذة‭ ‬أنفسهم‭ ‬عبر‭ ‬تدوينات‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عن‭ ‬مبالغ‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭ ‬يتم‭ ‬تداولها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬ثمن‭ ‬الاتفاق‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات‭ ‬والمترشحين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬للتلميذ‭ ‬الواحد،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تداولها‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬موازية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬قلق‭ ‬المترشحين‭ ‬ورغبتهم‭ ‬في‭ ‬النجاح‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬إجراء‭ ‬جديد‭ ‬تتخذه‭ ‬الوزارة،‭ ‬تسعى‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات‭ ‬إلى‭ ‬ابتكار‭ ‬أساليب‭ ‬جديدة‭ ‬للتحايل،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المواجهة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬سباق‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬الرقابة‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬لذلك‭ ‬ترتفع‭ ‬أصوات‭ ‬عديدة‭ ‬مطالبة‭ ‬باتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬أكثر‭ ‬جذرية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬قطع‭ ‬خدمات‭ ‬الإنترنات‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭ ‬الامتحانات‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني‭ ‬لفترات‭ ‬محدودة،‭ ‬وهو‭ ‬إجراء‭ ‬اعتمدته‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬خلال‭ ‬الامتحانات‭ ‬الرسمية‭ ‬بهدف‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التواصل‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وتسريب‭ ‬المواضيع‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬لا‭ ‬يحظى‭ ‬بإجماع‭ ‬كامل،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬منتقدوه‭ ‬أن‭ ‬قطع‭ ‬الإنترنات‭ ‬قد‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬اقتصادية‭ ‬وإدارية‭ ‬وخدماتية‭ ‬واسعة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعتبر‭ ‬مؤيدوه‭ ‬أن‭ ‬نزاهة‭ ‬امتحان‭ ‬وطني‭ ‬مصيري‭ ‬مثل‭ ‬الباكالوريا‭ ‬تستحق‭ ‬إجراءات‭ ‬استثنائية‭ ‬ومؤقتة‭ ‬إذا‭ ‬ثبتت‭ ‬نجاعتها‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬الجدل،‭ ‬يبقى‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأمنية‭ ‬أو‭ ‬التقنية‭. ‬فمكافحة‭ ‬الغش‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بالكشف‭ ‬عن‭ ‬الأجهزة‭ ‬المحظورة‭ ‬أو‭ ‬ملاحقة‭ ‬الشبكات‭ ‬المنظمة،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستحقاق‭ ‬لدى‭ ‬التلاميذ‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬والاجتهاد‭. ‬فكل‭ ‬نجاح‭ ‬يتم‭ ‬تحقيقه‭ ‬بالغش‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬خسارة‭ ‬للمعرفة‭ ‬وللمنظومة‭ ‬التربوية‭ ‬وللمجتمع‭ ‬بأسره‭.‬

ومهما‭ ‬تعددت‭ ‬الوسائل‭ ‬والأساليب،‭ ‬فإن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصداقية‭ ‬الباكالوريا‭ ‬التونسية‭ ‬يظل‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية‭ ‬تتقاسمها‭ ‬الوزارة‭ ‬والإطار‭ ‬التربوي‭ ‬والأولياء‭ ‬والتلاميذ‭ ‬أنفسهم‭. ‬فهذه‭ ‬الشهادة‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬لعقود‭ ‬رمزاً‭ ‬للجدارة‭ ‬والاستحقاق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬مكانتها‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬انتصر‭ ‬فيها‭ ‬العلم‭ ‬على‭ ‬التحيل،‭ ‬والكفاءة‭ ‬على‭ ‬الغش‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

انطلاق‭ ‬الدورة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للباكالوريا‭ ‬ ‭ ‬محطة‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬آلاف‭ ‬التلاميذ‭…‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ تنطلق‭ ‬غدا‭ ‬الأربعاء‭ ‬امتحانات‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬…