في إطار مواصلة مسار الإصلاحات الداعمة للاقتصاد الوطني: تونس تراجع منظومة الصرف في إطار اتشاركي
الصحافة اليوم : خالصة حمروني
بهدف تحسين الوضع الاقتصادي وتحسين مؤشراته الحيوية، تتبع تونس منذ مدة سياسة إصلاحات اقتصادية متعددة الأطراف يشارك في صياغتها أهل الاختصاص بالتشاور مع منظمات وهياكل وطنية لها صلة ودراية بمتطلبات الشأن الوطني. وبعد مناقشة بعض المشاريع، تم بالتوافق على سن عديد القوانين ذات الطابع الاقتصادي على غرار مجلة الاستثمار وقانون الشيكات، وتنكب السلط المعنية هذه الفترة على مناقشة مشروع مجلة الصرف الجديدة الذي يعد من أهم المواضيع المطروحة على الساحة الاقتصادية نظراً لارتباطه المباشر بالاستثمار وحركة رؤوس الأموال والمعاملات المالية مع الخارج.
وتأتي مناقشة هذا المشروع باعتباره استجابة واضحة لمطالب عديدة تنادي بتحديث الإطار القانوني الحالي المنظم للصرف باعتباره قانونا قديما يعود إلى سبعينيات القرن الماضي ولم يعد يستجيب إلى متطلبات الاقتصاد سواء الوطني أو العالمي الذي يعتمد أكثر على الرقمنة والعولمة المالية وتطور أنماط الاستثمار والتبادل.
وفي هذا الإطار تعمل الجهات المختصة على تنظيم سلسلة حوارات موسعة مع منظمات مهنية واقتصادية ومالية لها صلة مباشرة بالموضوع، بهدف بلورة مشروع يلقى ترحيب الجميع. وقد كان آخر هذه اللقاءات مع كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية اكونكتب الذي تم أول أمس الاثنين تحت قبة مجلس النواب.
ووفق هذه المنظمة الاقتصادية، فمن الضروري أن يتم تطوير مضمون المجلة حتى تكون مجلة الصرف الجديدة رافعة لتحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال الأمر الذي يتطلب، وفق قراءة اكوناكتب تبسيط الإجراءات وتقليص القيود الإدارية وتوسيع هامش حرية المؤسسات في التعامل مع الخارج، بما يعزز اندماج الاقتصاد التونسي في الأسواق العالمية ويرفع من قدرته التنافسية.
والمتابع للشأن الاقتصادي، يدرك أن هذا اللقاء لا يعد الأول من نوعه بل سبقته سلسلة من اللقاءات مع منظمات أخرى. فقبل مناقشة هذا المشروع مع اكونكتب، جرت عديد اللقاءات مع منظمات أخرى ساهمت كل واحدة منها في تقديم مقاربة مختلفة من زاوية اختصاصها، مع التقاء واضح حول ضرورة تحديث المنظومة الحالية.
من هذه اللقاءات، نذكر اللقاء الذي تم مع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الذي أوضح أن الإطار القانوني المعتمد منذ سنة 1976 لم يعد ملائماً للتحولات الاقتصادية والمالية العالمية ومن المهم مجاراة التحولات الاقتصادية العالمية. وفي تلك المناسبة، دعا الاتحاد إلى جعل الصرف أكثر مرونة يقوم على التحرير التدريجي للعلاقات المالية مع الخارج عوض التراخيص المسبقة والقيود. وهذا من شأنه ان يسمح بتسهيل تحويل رؤوس الأموال وتحسين كفاءة تخصيص الموارد داخل الاقتصاد الوطني.
كما شدد الاتحاد على أهمية إدماج البعد الرقمي في مجلة الصرف الجديدة، خاصة ما يتعلق بالمعاملات عبر المنصات الدولية والأصول الرقمية، مع ضرورة وضع إطار قانوني واضح يضمن الشفافية والرقابة دون أن يعيق الابتكار المالي.
من جهته، دعا مجلس الغرف المشتركة الذي ناقش هو الاخر مشروع مجلة الصرف تحت قبّة البرلمان إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة تأخذ بعين الاعتبار مركز النشاط الاقتصادي الفعلي وليس فقط مدة إقامته.
وبالنسبة إلى نقطة العقوبات، اقترح المجلس تبني مقاربة تدريجية في العقوبات تبدأ بالتنبيه ثم الخطايا المالية قبل اللجوء إلى العقوبات السجنية. كما أوضح أن إرساء آليات عفو صرفي تسمح بإعادة إدماج جزء من الأموال غير المصرح بها داخل الدورة الاقتصادية الرسمية من شأنه أن يعزز تدفق العملة الأجنبية نحو النظام البنكي الوطني.
وفي لقاء مماثل مع ممثلي الديوانة التونسية، أوضحت هذه الأخيرة أن تداخل النصوص القانونية بين مجالات متعددة على غرار الديوانة والتجارة الخارجية ومكافحة غسيل الأموال ساهم في صعوبة تطبيق القوانين، وهو ما ساهم في ارتفاع عدد المخالفات. ومن أجل تفادي المزيد من المشاكل، دعت الديوانة إلى إعادة تنظيم المنظومة القانونية وتوسيع نطاق التسوية ليشمل مخالفات إضافية بما يضمن إدماج موارد مالية أكبر في الاقتصاد المنظم.
أما اللقاء الذي تم مع إدارة البنك المركزي التونسي فقد ركز على أهمية إصلاح هذه المجلة لأنها ركيزة الاقتصاد الوطني. وبهذا الخصوص، جدد دعمه لكل الاقتراحات الهادفة إلى تعزيز شفافية المعاملات المالية وإدماج الموارد بالعملة الأجنبية داخل الدورة الاقتصادية الرسمية. وفي المقابل، أكد البنك أن مجلة الصرف الجديدة لابد أن تتضمن قوانين تحافظ على الاستقرار النقدي لضمان التوازنات المالية الكبرى وربط أي تحرير تدريجي بمنظومة رقابة صارمة في مجال مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبالنظر إلى جملة هذه الاقتراحات، ورغم اختلاف القراءات، فقد اتفقت أغلب المنظمات المذكورة على عدم قدرة منظومة الصرف الحالية على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والرقمية. كما اتفقت مختلف الأطراف على ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص البيروقراطية المرتبطة بالمعاملات المالية، وعلى أهمية تحسين مناخ الاستثمار وجعله أكثر جاذبية لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
كما برز توافق واضح حول ضرورة إدماج الاقتصاد الرقمي وتنظيم المعاملات المالية عبر المنصات الدولية والأصول الرقمية، إضافة إلى اعتماد مبدإ التناسب في السياسة العقابية بدل الردع الزجري المفرط. واتفقت الأطراف أيضاً على أهمية تعزيز شفافية التدفقات المالية ومكافحة الاقتصاد الموازي، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن أي عملية تحرير مالي يجب أن تحافظ على الاستقرار النقدي باعتباره شرطاً أساسياً لاستقرار الاقتصاد ككل.
ومع التركيز على إصلاحات مجلة الصرف، تثبت تونس عزمها مواصلة سياسة الإصلاحات الاقتصادية بما يهدف إلى بناء اقتصاد منفتح على الأسواق العالمية من جهة، ومحافظ على استقرار التوازنات المالية والنقدية من جهة أخرى. كما تترجم سلسلة الإصلاحات سعي الدولة إلى إخراج الاقتصاد التونسي من دائرة الهشاشة إلى دائرة النمو والتطور، عبر تطوير المنظومة البنكية وتشجيع الاقتصاد الرقمي وتحسين مناخ الأعمال الأمر الذي من شأنه أن ينهض بقطاع الاستثمار اولا ويدعم التوازنات المالية ثانيا.
بقدرة انتاجية تناهز 1400 ميغاواط تونس والجزائر تدرسان إنشاء أكبر محطة كهرباء بالدورة المركبة
الصحافة اليوم : خ. حمروني تسعى تونس والجزائر إلى إنشاء أكبر محطة كه…
