2026-06-04

لقاء‭ ‬في‭ “‬بيت‭ ‬الحكمة‭” ‬حول‭ ‬مسيرة‭ ‬الكاتبة‭ ‬التونسية‭ “‬أميرة‭ ‬غنيم‭” ‬الجامعية‭ ‬والأدبية‭:‬ حين‭ ‬تتقاطع‭ ‬الحكاية‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬وتشتبك‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬السلطة‭ ‬والهوية‭ ‬والانتماء

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

مثّلت‭ ‬الندوة‭ ‬التي‭ ‬احتضنها‭ ‬المجمع‭ ‬التونسي‭ ‬للعلوم‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون‭ ‬ابيت‭ ‬الحكمةب‭ ‬مؤخرا‭ ‬حول‭ ‬أعمال‭ ‬الروائية‭ ‬والجامعية‭ ‬التونسية‭ ‬أميرة‭ ‬غنيم‭ ‬حدثا‭ ‬ثقافيا‭ ‬لافتا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬الموضوع‭ ‬الذي‭ ‬انشغلت‭ ‬به،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬بسبب‭ ‬الرؤية‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬منها‭. ‬فاللقاء‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ‬االسرد‭ ‬والتاريخ‭ ‬والتأويل‭: ‬قراءات‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬أميرة‭ ‬غنيمب‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬القراءة‭ ‬الأدبية‭ ‬التقليدية‭ ‬نحو‭ ‬مقاربة‭ ‬متعددة‭ ‬الاختصاصات‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬السرد‭ ‬والتاريخ‭ ‬والفلسفة‭ ‬التأويلية‭ ‬والنقد‭ ‬الثقافي

وقد‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬الندوة‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬محجوب،‭ ‬ضمن‭ ‬أنشطة‭ ‬قسم‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬بدائرة‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬واحلقة‭ ‬التأويلب‭ ‬ببيت‭ ‬الحكمة،‭ ‬بمشاركة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬والجامعيين‭ ‬الذين‭ ‬سعوا‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬التجربة‭ ‬الروائية‭ ‬لأميرة‭ ‬غنيم‭ ‬بوصفها‭ ‬مشروعا‭ ‬فكريا‭ ‬وجماليا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الحكاية‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬والهوية‭ ‬والتاريخ

تجربة‭ ‬تُقرأ‭ ‬وهي‭ ‬تتقدّم

تكمن‭ ‬خصوصية‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬يلتفت‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬أدبية‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكّل‭ ‬والتطوّر،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬التقليد‭ ‬النقدي‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬تأجيل‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالتجارب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬اكتمالها‭ ‬أو‭ ‬أفولها‭. ‬فالندوة‭ ‬مثّلت‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬االمواكبة‭ ‬النقديةب‭ ‬الحيّة‭ ‬لمشروع‭ ‬روائي‭ ‬فرض‭ ‬حضوره‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬التونسي‭ ‬والعربي‭.‬

وقد‭ ‬أشار‭ ‬محمد‭ ‬محجوب‭ ‬في‭ ‬تقديمه‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬االكتابة‭ ‬السردية‭ ‬والنظر‭ ‬الفلسفي‭ ‬التأويلي‭ ‬والنقد‭ ‬التاريخيب،‭ ‬معتبرا‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المقاربات‭ ‬المتضافرة‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬رهانات‭ ‬الدراسات‭ ‬الإنسانية‭ ‬مستقبلا،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تداخل‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية‭ ‬وتراجع‭ ‬الحدود‭ ‬الجامدة‭ ‬بين‭ ‬الاختصاصات‭.‬

شارك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الندوة‭ ‬بالمداخلة‭ ‬والتعقيب‭ ‬والنقاش‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الجامعيين‭ ‬والباحثين‭ ‬نذكر‭ ‬منهم‭ “‬عادل‭ ‬خذر‭” ‬و‭”‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬هنية‭” “‬سعيد‭ ‬بحيرة‭” “‬عبد‭ ‬الجليل‭ ‬بوقرّة‭” ‬و‭”‬محمد‭ ‬القاضي‭” ‬و‭”‬دليلة‭ ‬شقرون‭” ‬و‭”‬محمد‭ ‬الخبو‭”‬

الرواية‭ ‬باعتبارها‭ ‬كتابة‭ ‬للذاكرة

لقد‭ ‬استطاعت‭ ‬أميرة‭ ‬غنيم،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أعمالها‭ ‬الروائية‭ ‬مثل‭ ‬انازلة‭ ‬دار‭ ‬الأكابرب‭ ‬واتراب‭ ‬سخونب‭ ‬واالعظماء‭ ‬يموتون‭ ‬في‭ ‬أفريل‭”‬ة‭ ‬ب،‭ ‬أن‭ ‬تؤسس‭ ‬صوتا‭ ‬سرديا‭ ‬خاصا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬استنطاق‭ ‬التاريخ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬التونسي،‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬مادة‭ ‬توثيقية‭ ‬جامدة،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬خزانا‭ ‬للأسئلة‭ ‬والهواجس‭ ‬والتوترات‭ ‬الإنسانية‭.‬

وقد‭ ‬توقفت‭ ‬عديد‭ ‬القراءات‭ ‬النقدية‭ ‬عند‭ ‬قدرتها‭ ‬اللافتة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬روائية‭ ‬نابضة‭ ‬بالحياة،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الحكاية‭ ‬الفردية‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وتتداخل‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬الحميمة‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬السلطة‭ ‬والعنف‭ ‬والهوية‭ ‬والانتماء‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭  ‬الكتابة‭ ‬عند‭ ‬أميرة‭ ‬غنيم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬تنقيب‭ ‬داخل‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وتاريخيا،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تستعيد‭ ‬الماضي‭ ‬بدافع‭ ‬النوستالجيا،‭ ‬وإنما‭ ‬تعيد‭ ‬تفكيكه‭ ‬وتأويله‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬أثره‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭. ‬لذلك‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تتحول‭ ‬شخصياتها‭ ‬إلى‭ ‬كائنات‭ ‬معلّقة‭ ‬بين‭ ‬زمنين‭: ‬زمن‭ ‬الذاكرة‭ ‬وزمن‭ ‬التحولات‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بالمجتمع‭.‬

لغة‭ ‬تجمع‭ ‬الشعرية‭ ‬بالقسوة‭ ‬الواقعية

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬انتبه‭ ‬إليه‭ ‬النقاد‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬أميرة‭ ‬غنيم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المزاوجة‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬الشعرية‭ ‬الكثيفة‭ ‬والبعد‭ ‬الواقعي‭ ‬الصادم‭. ‬فهي‭ ‬تكتب‭ ‬بعبارات‭ ‬مشغولة‭ ‬بعناية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬التزويق‭ ‬المجاني‭ ‬أو‭ ‬الاستعراض‭ ‬البلاغي،‭ ‬كما‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬شخصيات‭ ‬متوترة‭ ‬ومعقدة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الهامش‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والنفسي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الأسئلة‭ ‬الجماعية‭.‬

ويلاحظ‭ ‬في‭ ‬أعمالها‭ ‬أيضا‭ ‬ذلك‭ ‬الاشتغال‭ ‬الدقيق‭ ‬على‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬الأمكنة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الرواية‭ ‬فضاءً‭ ‬لاستعادة‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭. ‬ولذلك‭ ‬تبدو‭ ‬نصوصها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬مرايا‭ ‬اجتماعية‭ ‬تكشف‭ ‬تصدعات‭ ‬العائلة‭ ‬والمدينة‭ ‬والذاكرة‭ ‬والسلطة‭.‬

بين‭ ‬الجامعة‭ ‬والرواية

لا‭ ‬تنفصل‭ ‬تجربة‭ ‬أميرة‭ ‬غنيم‭ ‬الروائية‭ ‬عن‭ ‬خلفيتها‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬نصوصها‭ ‬بعدا‭ ‬فكريا‭ ‬واضحا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقدها‭ ‬طاقتها‭ ‬التخيلية‭. ‬فالرواية‭ ‬عندها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حكاية،‭ ‬بل‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والتاريخ‭ ‬والمعنى‭. ‬وربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬بدت‭ ‬أعمالها‭ ‬قابلة‭ ‬لهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬القراءات‭ ‬التأويلية‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬الندوة‭ ‬الاشتغال‭ ‬عليها‭.‬

هذا‭ ‬وقد‭ ‬عكست‭ ‬الندوة‭ ‬رغبة‭ ‬متزايدة‭ ‬داخل‭ ‬الجامعة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬المعاصرة‭ ‬والتفاعل‭ ‬معها‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬الجارية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مادة‭ ‬للدرس‭ ‬الأكاديمي‭ ‬المعزول‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬الواقع‭.‬

تقليد‭ ‬ثقافي‭ ‬ضروري

لقد‭ ‬كان‭ ‬لقاء‭ ‬االسرد‭ ‬والتاريخ‭ ‬والتأويلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬احتفاء‭ ‬بروائية‭ ‬تونسية‭ ‬حققت‭ ‬حضورا‭ ‬عربيا‭ ‬لافتا،‭ ‬لقد‭ ‬مثّل‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬الثقافة‭ ‬الحيّة‭ ‬التي‭ ‬تواكب‭ ‬التجارب‭ ‬وهي‭ ‬تتشكل،‭ ‬وأبرز‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬تنصت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬لما‭ ‬يُكتب‭ ‬الآن،‭ ‬لا‭ ‬لما‭ ‬أصبح‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الأرشيف‭ ‬فقط‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أميرة‭ ‬غنيم‭ ‬قد‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬اسمها‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬الروائي‭ ‬العربي‭ ‬بفضل‭ ‬كتابة‭ ‬تجمع‭ ‬الحسّ‭ ‬الجمالي‭ ‬بالعمق‭ ‬الفكري،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذه‭ ‬الندوة‭ ‬أكدت‭ ‬أيضا‭ ‬حاجة‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬التونسية‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬اللقاءات‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬فضاءً‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬المعارف‭ ‬والتخصصات،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبة‭ ‬للاحتفاء‭ ‬العابر‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

في‭ ‬وداع‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ “‬ادغار‭ ‬موران‭”:‬ قاوم‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الدوغمائية‭ ‬الفكرية‭ ‬والإيديولوجية،‭ ‬وبحث‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬للإنسان‭ ‬والعالم

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي تمثّل‭ ‬سيرة‭ ‬إدغار‭ ‬موران‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المس…