حلول جديدة لأزمة السكن: الكراء المملّك…باب أمل أمام آلاف الباحثين عن منزل
الصحافة اليوم : مصباح الجدي
في بلد أصبح فيه امتلاك منزل حلما مؤجلا بالنسبة إلى فئات واسعة من التونسيين، تبرز تجربة االكراء المملّكب كواحدة من أكثر المبادرات الاجتماعية والاقتصادية إثارة للاهتمام خلال السنوات الأخيرة.
فبين ارتفاع أسعار العقارات بشكل غير مسبوق، وصعوبة الحصول على التمويلات البنكية، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، يبدو أن الدولة تبحث عن مسار جديد يمنح أصحاب الدخل المتوسط والضعيف فرصة حقيقية للتحول من مستأجرين إلى مالكين.
وتستعد السلطات خلال الفترة المقبلة لإطلاق مرحلة أولى من هذا البرنامج عبر إنجاز عدد من المساكن في عدة ولايات، على أن يتم في أواخر السنة الجارية فتح باب التسجيل للانتفاع بها من خلال منصة رقمية تتضمن جملة من المؤشرات والشروط التي تمكن من تحديد المستحقين بصورة أكثر دقة وشفافية. كما ستعتمد المنظومة على الربط بين عدد من الإدارات والهياكل العمومية للتحقق من المعطيات وضمان وصول هذه المساكن إلى الفئات التي تستحقها فعلا.
وتقوم فلسفة الكراء المملّك على مبدإ بسيط لكنه يحمل أبعادا اجتماعية عميقة؛ إذ يدفع المنتفع معلوم كراء شهريا يتراوح مبدئيا بين 500 و700 دينار، على أن تتحول هذه الدفوعات تدريجيا إلى مساهمة فعلية في امتلاك المسكن بعد استكمال المدة المحددة. وهي صيغة أكثر مرونة من القروض السكنية التقليدية التي تتطلب في أغلب الأحيان شروطا مالية صارمة وضمانات قد لا تتوفر لدى شريحة واسعة من الموظفين والأجراء.
أزمة سكن تتفاقم
لا يخفى على أحد أن سوق العقارات في تونس شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا متواصلا في الأسعار، سواء بالنسبة إلى الأراضي أو المساكن الجاهزة. وقد أدى هذا الوضع إلى اتساع الهوة بين الأسعار الحقيقية للعقارات وبين قدرة المواطنين على الشراء.
فالموظف الذي يتقاضى أجرا متوسطا يجد نفسه اليوم أمام معادلة شبه مستحيلة: أسعار شقق تتجاوز في كثير من الأحيان مئات آلاف الدنانير من جهة، وأقساط بنكية تمتد لعقود طويلة وتستنزف الجزء الأكبر من دخله الشهري من جهة أخرى. لذلك لم يعد الحصول على مسكن خاص مجرد مشروع عائلي، بل تحول بالنسبة إلى كثيرين إلى تحدٍّ يومي يزداد صعوبة مع مرور السنوات.
لماذا تعثّر االمسكن الأولب؟
في خضم هذه الأزمة، تم التعويل سابقا على برنامج االمسكن الأولب باعتباره آلية لمساعدة الشباب والعائلات على اقتناء مساكنهم الأولى. غير أن التجربة لم تحقق النتائج المنتظرة منها بالقدر الكافي، وفق ما يراه عدد من الموظفين وأصحاب الدخل المحدود.
ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب، من بينها استمرار ارتفاع أسعار العقارات مقارنة بحجم المساعدات المقدمة، إضافة إلى الشروط البنكية والقدرة المحدودة للعديد من العائلات على توفير التمويل الذاتي المطلوب. ونتيجة لذلك بقي عدد من الراغبين في الانتفاع بالبرنامج خارج دائرة الاستفادة الفعلية رغم حاجتهم الملحة إلى السكن.
فرصة وأمل
ما يمنح تجربة الكراء المملّك أهميتها اليوم هو أنها تحاول تجاوز بعض العراقيل التي واجهت البرامج السابقة. فهي لا تنطلق من منطق القرض البنكي الكلاسيكي بقدر ما تعتمد على مسار تدريجي يمكن أن يكون أكثر ملاءمة للفئات التي تجد صعوبة في النفاذ إلى التمويل العقاري.كما أن اعتماد منصة رقمية موحدة وربطها بقواعد بيانات الإدارات العمومية قد يساعد على الحد من التجاوزات وضمان الشفافية في اختيار المنتفعين، وهو عنصر أساسي لنجاح أي سياسة اجتماعية تستهدف فئات واسعة من المجتمع.
ورغم أهمية المبادرة، فإن نجاحها على المدى البعيد لا يمكن أن يبقى مرتبطا بتدخل الدولة وحدها. فحجم الطلب على السكن في تونس يفوق بكثير عدد المساكن التي يمكن للقطاع العمومي إنجازها بمفرده.
لذلك يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا تعمل البنوك والباعثون العقاريون على تطوير صيغ مماثلة أو مستوحاة من تجربة الكراء المملّك؟
فالقطاع البنكي يمتلك الأدوات المالية القادرة على ابتكار منتجات جديدة أكثر مرونة، كما يمتلك الباعثون العقاريون الخبرة والقدرة على إنجاز مشاريع سكنية كبرى. ومن شأن انخراط هؤلاء الفاعلين في هذا التوجه أن يوسع دائرة العرض ويمنح آلاف العائلات فرصا إضافية للنفاذ إلى السكن.
وقد تكون المدن الكبرى، وعلى رأسها تونس الكبرى وصفاقس وسوسة، المجال الأنسب لتجربة مثل هذه الصيغ على نطاق أوسع، خاصة في ظل الطلب المتزايد على المساكن وارتفاع أسعار الكراء والشراء فيها.
الكراء المملّك لا يتعلق بمجرد مشروع عقاري جديد، بل بمقاربة اجتماعية واقتصادية تسعى إلى إعادة الأمل لفئات واسعة فقدت الثقة في إمكانية امتلاك منزل.فإذا نجحت الدولة في هذا التوجه، ووجدت دعما من البنوك والباعثين العقاريين، فقد يتحول الكراء المملّك من تجربة محدودة إلى نموذج وطني جديد يعيد رسم خريطة السكن في تونس ويمنح آلاف العائلات فرصة حقيقية لتحقيق حلم طال انتظاره: امتلاك منزل يضمن الاستقرار والكرامة.
مشاريع معلنة تشغل انتظارات المواطنين: النقل والصحة في قلب الرهان التنموي
الصحافة اليوم:مصباح الجدي تمثل المشاريع العمومية أحد أبرز التفاصيل اليوم…
