2026-06-08

حلول‭ ‬جديدة‭ ‬لأزمة‭ ‬السكن‭:‬ الكراء‭ ‬المملّك‭…‬باب‭ ‬أمل‭ ‬أمام‭ ‬آلاف‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬منزل

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

في‭ ‬بلد‭ ‬أصبح‭ ‬فيه‭ ‬امتلاك‭ ‬منزل‭ ‬حلما‭ ‬مؤجلا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التونسيين،‭ ‬تبرز‭ ‬تجربة‭ ‬االكراء‭ ‬المملّكب‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المبادرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬إثارة‭ ‬للاهتمام‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬

فبين‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬العقارات‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬وصعوبة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التمويلات‭ ‬البنكية،‭ ‬وتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬جديد‭ ‬يمنح‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخل‭ ‬المتوسط‭ ‬والضعيف‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للتحول‭ ‬من‭ ‬مستأجرين‭ ‬إلى‭ ‬مالكين‭.‬

وتستعد‭ ‬السلطات‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬المقبلة‭ ‬لإطلاق‭ ‬مرحلة‭ ‬أولى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬عبر‭ ‬إنجاز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المساكن‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬ولايات،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬السنة‭ ‬الجارية‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬التسجيل‭ ‬للانتفاع‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منصة‭ ‬رقمية‭ ‬تتضمن‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬والشروط‭ ‬التي‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬المستحقين‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬وشفافية‭. ‬كما‭ ‬ستعتمد‭ ‬المنظومة‭ ‬على‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الإدارات‭ ‬والهياكل‭ ‬العمومية‭ ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬المعطيات‭ ‬وضمان‭ ‬وصول‭ ‬هذه‭ ‬المساكن‭ ‬إلى‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬تستحقها‭ ‬فعلا‭.‬

وتقوم‭ ‬فلسفة‭ ‬الكراء‭ ‬المملّك‭ ‬على‭ ‬مبدإ‭ ‬بسيط‭ ‬لكنه‭ ‬يحمل‭ ‬أبعادا‭ ‬اجتماعية‭ ‬عميقة؛‭ ‬إذ‭ ‬يدفع‭ ‬المنتفع‭ ‬معلوم‭ ‬كراء‭ ‬شهريا‭ ‬يتراوح‭ ‬مبدئيا‭ ‬بين‭ ‬500‭ ‬و700‭ ‬دينار،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الدفوعات‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬مساهمة‭ ‬فعلية‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬المسكن‭ ‬بعد‭ ‬استكمال‭ ‬المدة‭ ‬المحددة‭. ‬وهي‭ ‬صيغة‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬من‭ ‬القروض‭ ‬السكنية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬شروطا‭ ‬مالية‭ ‬صارمة‭ ‬وضمانات‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬لدى‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬والأجراء‭.‬

أزمة‭ ‬سكن‭ ‬تتفاقم

لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬العقارات‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬شهدت‭  ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬ارتفاعا‭ ‬متواصلا‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬أو‭ ‬المساكن‭ ‬الجاهزة‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬الأسعار‭ ‬الحقيقية‭ ‬للعقارات‭ ‬وبين‭ ‬قدرة‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬الشراء‭.‬

فالموظف‭ ‬الذي‭ ‬يتقاضى‭ ‬أجرا‭ ‬متوسطا‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬شبه‭ ‬مستحيلة‭: ‬أسعار‭ ‬شقق‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬مئات‭ ‬آلاف‭ ‬الدنانير‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وأقساط‭ ‬بنكية‭ ‬تمتد‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬وتستنزف‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬دخله‭ ‬الشهري‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مسكن‭ ‬خاص‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬عائلي،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كثيرين‭ ‬إلى‭ ‬تحدٍّ‭ ‬يومي‭ ‬يزداد‭ ‬صعوبة‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭.‬

لماذا‭ ‬تعثّر‭ ‬االمسكن‭ ‬الأولب؟

في‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬تم‭ ‬التعويل‭ ‬سابقا‭ ‬على‭ ‬برنامج‭ ‬االمسكن‭ ‬الأولب‭ ‬باعتباره‭ ‬آلية‭ ‬لمساعدة‭ ‬الشباب‭ ‬والعائلات‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬مساكنهم‭ ‬الأولى‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬النتائج‭ ‬المنتظرة‭ ‬منها‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭.‬

ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الأسباب،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬العقارات‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬المساعدات‭ ‬المقدمة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الشروط‭ ‬البنكية‭ ‬والقدرة‭ ‬المحدودة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬التمويل‭ ‬الذاتي‭ ‬المطلوب‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬بقي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬الانتفاع‭ ‬بالبرنامج‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الاستفادة‭ ‬الفعلية‭ ‬رغم‭ ‬حاجتهم‭ ‬الملحة‭ ‬إلى‭ ‬السكن‭.‬

فرصة‭ ‬وأمل

ما‭ ‬يمنح‭ ‬تجربة‭ ‬الكراء‭ ‬المملّك‭ ‬أهميتها‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬تحاول‭ ‬تجاوز‭ ‬بعض‭ ‬العراقيل‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬البرامج‭ ‬السابقة‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬القرض‭ ‬البنكي‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬تدريجي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬للفئات‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬العقاري‭.‬كما‭ ‬أن‭ ‬اعتماد‭ ‬منصة‭ ‬رقمية‭ ‬موحدة‭ ‬وربطها‭ ‬بقواعد‭ ‬بيانات‭ ‬الإدارات‭ ‬العمومية‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التجاوزات‭ ‬وضمان‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المنتفعين،‭ ‬وهو‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬لنجاح‭ ‬أي‭ ‬سياسة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تستهدف‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭.‬

ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬المبادرة،‭ ‬فإن‭ ‬نجاحها‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مرتبطا‭ ‬بتدخل‭ ‬الدولة‭ ‬وحدها‭. ‬فحجم‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬يفوق‭ ‬بكثير‭ ‬عدد‭ ‬المساكن‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للقطاع‭ ‬العمومي‭ ‬إنجازها‭ ‬بمفرده‭.‬

لذلك‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬نفسه‭ ‬بإلحاح‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬البنوك‭ ‬والباعثون‭ ‬العقاريون‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬صيغ‭ ‬مماثلة‭ ‬أو‭ ‬مستوحاة‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬الكراء‭ ‬المملّك؟

فالقطاع‭ ‬البنكي‭ ‬يمتلك‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬منتجات‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬كما‭ ‬يمتلك‭ ‬الباعثون‭ ‬العقاريون‭ ‬الخبرة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إنجاز‭ ‬مشاريع‭ ‬سكنية‭ ‬كبرى‭. ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬انخراط‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفاعلين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬أن‭ ‬يوسع‭ ‬دائرة‭ ‬العرض‭ ‬ويمنح‭ ‬آلاف‭ ‬العائلات‭ ‬فرصا‭ ‬إضافية‭ ‬للنفاذ‭ ‬إلى‭ ‬السكن‭.‬

وقد‭ ‬تكون‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬تونس‭ ‬الكبرى‭ ‬وصفاقس‭ ‬وسوسة،‭ ‬المجال‭ ‬الأنسب‭ ‬لتجربة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الصيغ‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الطلب‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬المساكن‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الكراء‭ ‬والشراء‭ ‬فيها‭.‬

‭ ‬الكراء‭ ‬المملّك‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بمجرد‭ ‬مشروع‭ ‬عقاري‭ ‬جديد،‭ ‬بل‭ ‬بمقاربة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الأمل‭ ‬لفئات‭ ‬واسعة‭ ‬فقدت‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬امتلاك‭ ‬منزل‭.‬فإذا‭ ‬نجحت‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬ووجدت‭ ‬دعما‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬والباعثين‭ ‬العقاريين،‭ ‬فقد‭ ‬يتحول‭ ‬الكراء‭ ‬المملّك‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬محدودة‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬وطني‭ ‬جديد‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ويمنح‭ ‬آلاف‭ ‬العائلات‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لتحقيق‭ ‬حلم‭ ‬طال‭ ‬انتظاره‭: ‬امتلاك‭ ‬منزل‭ ‬يضمن‭ ‬الاستقرار‭ ‬والكرامة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مشاريع‭ ‬معلنة‭ ‬تشغل‭ ‬انتظارات‭ ‬المواطنين‭:‬ النقل‭ ‬والصحة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الرهان‭ ‬التنموي

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي تمثل‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليوم…