التبذير الغذائي يتفاقم : أطنان من الطعام تُهدر يوميّا في زمن الغلاء
الصحافة اليوم : راضية قريصيعة
في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعات متواصلة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، و تتزايد فيه شكاوى المواطنين من تراجع القدرة الشرائية وصعوبة تلبية الاحتياجات اليومية، تبرز ظاهرة التبذير الغذائي باعتبارها واحدة من أكثر المفارقات إثارة للانتباه.
فبين رفوف المتاجر والمطابخ المنزلية وقاعات الأفراح والمطاعم، تُهدر يوميًا كميات كبيرة من الأغذية الصالحة للاستهلاك، في مشهد يعكس تناقضًا واضحًا بين الشكوى من الغلاء وبين الممارسات الاستهلاكية التي تؤدي إلى إهدار جزء مهم من الموارد الغذائية.
ووفق المعهد الوطني للاستهلاك فانه يتم سنويا التخلص من ملايين الأطنان من الأغذية التي لا تزال قابلة للاستهلاك.محذرا من أن هذه الظاهرة تكبد الاقتصاد الوطني خسائر هامة.
ويرى مراقبون أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بفترات الرخاء الاقتصادي أو الوفرة فحسب، بل أصبحت سلوكًا متجذرًا في العديد من المجتمعات، حتى في ظل الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. وهو ما يثير تساؤلات جدية حول أسباب استمرار هذا السلوك رغم الضغوط المالية التي تواجهها الأسر، وحول مدى نجاح الجهود التوعوية في ترسيخ ثقافة الاستهلاك الرشيد.
أطنان من الغذاء تنتهي في حاويات النفايات
وتشير تقارير دولية إلى أن كميات ضخمة من الأغذية تُهدر سنويًا على امتداد سلسلة الإنتاج والاستهلاك، بدءًا من الحقول الزراعية مرورًا بعمليات النقل والتخزين والتوزيع، وصولًا إلى المنازل والمطاعم. غير أن الجزء الأكبر من الهدر في العديد من الدول يحدث عند مرحلة الاستهلاك النهائي، حيث يتم التخلص من أغذية لا تزال صالحة للأكل.
وتتجلى الظاهرة بشكل واضح في الخبز الذي يُعد من أكثر المواد الغذائية تعرضًا للهدر، إضافة إلى الخضروات والفواكه والأطعمة المطهية والحلويات والمشروبات. وتزداد هذه الكميات خلال المناسبات الاجتماعية والأعياد وشهر رمضان وحفلات الزفاف والولائم، حيث يجري إعداد كميات تفوق بكثير احتياجات الحاضرين.
و يؤكد مختصون أن جزءًا من هذا الهدر يعود إلى ثقافة اجتماعية ترى في وفرة الطعام مظهرًا من مظاهر الكرم وحسن الضيافة، الأمر الذي يدفع الكثير من الأسر إلى إعداد كميات كبيرة تحسبًا لأي نقص محتمل، حتى وإن كان ذلك يعني التخلص من جزء معتبر منها لاحقًا.
لماذا يستمر التبذير رغم ارتفاع الأسعار ؟
يبدو للوهلة الأولى أن الغلاء من المفترض أن يدفع المستهلكين إلى مزيد من الحذر في الإنفاق وترشيد الاستهلاك، غير أن الواقع يكشف عن استمرار مستويات مرتفعة من التبذير الغذائي. ويعزو خبراء الاقتصاد هذا الأمر إلى مجموعة من العوامل المتداخلة ، وأول هذه العوامل يتمثل في غياب التخطيط المسبق للاستهلاك الأسري، إذ تعتمد العديد من الأسر على الشراء العشوائي دون تحديد دقيق للاحتياجات الفعلية، ما يؤدي إلى اقتناء كميات زائدة عن الحاجة.
أما العامل الثاني فيرتبط بالعروض التجارية والتخفيضات التي تدفع المستهلكين إلى شراء منتجات بكميات أكبر بدافع الاستفادة من الأسعار المخفضة، قبل أن يكتشفوا لاحقًا أنهم غير قادرين على استهلاكها في الوقت المناسب.
كما تلعب العوامل النفسية دورًا مهمًا في تغذية الظاهرة، حيث يشعر بعض المستهلكين بالاطمئنان عند تخزين كميات كبيرة من المواد الغذائية، خاصة في أوقات الأزمات أو عند انتشار أخبار عن اضطرابات في الأسواق.
ويضاف إلى ذلك ضعف الوعي بقيمة الغذاء من الناحية الاقتصادية والبيئية، إذ يركز كثيرون على ثمن السلعة عند شرائها، لكنهم لا يدركون حجم الخسارة الناتجة عن التخلص منها دون الاستفادة منها.
أعباء اقتصادية تتجاوز ميزانية الأسرة
و يحذر المختصون من أن آثار التبذير الغذائي لا تتوقف عند حدود الإنفاق الفردي، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فحين تُهدر كميات كبيرة من الغذاء، فإن الأموال التي أنفقت على إنتاجها واستيرادها ونقلها وتخزينها تضيع دون تحقيق الفائدة المرجوة منها. في المقابل ، فان الحد من الهدر الغذائي يمكن أن يساهم بشكل مباشر في تقليص النفقات الأسرية وتحسين إدارة الميزانية المنزلية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها العديد من العائلات.
كما أن تقليص الهدر من شأنه أن يخفف الضغط على منظومات الإنتاج والتوزيع، ويعزز استقرار الأسواق من خلال الحد من الطلب غير الضروري الذي يرفع مستويات الاستهلاك بشكل مصطنع.
دعوات لتعزيز الوعي وترشيد الاستهلاك
في مواجهة هذه الظاهرة، يدعو خبراء وممثلون عن المجتمع المدني إلى إطلاق حملات توعوية مستمرة لترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول، وتشجيع الأسر على إعداد قوائم للمشتريات وفق الاحتياجات الفعلية وتخزين الأغذية بطريقة سليمة.
كما يطالبون بتعزيز مبادرات التبرع بالفائض من الطعام للجمعيات الخيرية ومراكز الإيواء، بدلًا من التخلص منه، إلى جانب إدراج مفاهيم مكافحة الهدر الغذائي ضمن البرامج التربوية والتثقيفية. كما أن الحد من التبذير الغذائي لا يتطلب إجراءات معقدة بقدر ما يحتاج إلى تغيير في السلوكيات اليومية، يبدأ من الأسرة ويمتد إلى مختلف مؤسسات المجتمع.
مع تسجيل درجات حرارة قياسية : دعوات عاجلة للتّقيد بالإجراءات الوقائية تجنّبا لضربات الشمس
الصحافة اليوم : راضية قريصيعة تعيش العديد من المناطق خلال هذه الأيام ع…
