2026-06-11

‭ “‬يوم‭ ‬شبه‭ ‬عادي‭” ‬لسليم‭ ‬بلهيبة‭ ‬في‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية‭ ‬للأفلام‭ ‬القصيرة‭ ‬بمهرجان‭  ‬روتردام‭ ‬للفيلم‭ ‬العربي‭: ‬ إنـّـهـــم‭ ‬بـيـنــنـــا‭ ‬وحــــولـــــنـــــا‭ ‬كـــظـــــلّ‭ ‬نـــــــاعــــــــــم‭…‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي

يشارك‭ ‬الفيلم‭ ‬الروائي‭ ‬القصير‭ ” ‬يوم‭ ‬شبه‭ ‬عادي‭” ‬للمخرج‭ ‬سليم‭ ‬بلهيبة‭ ‬في‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية‭ ‬للأفلام‭ ‬القصيرة‭ ‬بمهرجان‭ ‬روتردام‭ ‬للفيلم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬دورته‭ ‬السادسة‭ ‬والعشرين‭  ‬التي‭ ‬تلتئم‭ ‬بروتردام‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬إلى‭ ‬16‭ ‬جوان‭ ‬2026‭.‬

ويعرّف‭ ‬المهرجان‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أنّه‭ ‬يحتفي‭ ‬بالثراء‭ ‬والتنوع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬مدّ‭ ‬جسور‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬الثقافات،‭ ‬يوظّف‭ ‬المهرجان‭ ‬قوّة‭ ‬السينما‭ ‬لتقديم‭ ‬رؤى‭ ‬معمّقة‭ ‬ومتعدّدة‭ ‬الأبعاد‭ ‬حول‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬الحيوية‭ ‬والمتجدّدة‭. ‬ويشكل‭ ‬المهرجان‭ ‬منصة‭ ‬نابضة‭ ‬بالحياة‭ ‬للسينما‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬هولندا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬حيث‭ ‬يعرض‭ ‬أحدث‭ ‬الأفلام‭ ‬الروائية‭ ‬والوثائقية‭ ‬والقصيرة‭.‬

ويرسم‭ ‬بلهيبة‭ ‬في‭ ‬شريطه‭ ‬الروائي‭ ‬القصير‭ ‬الثاني‭ ” ‬يوم‭ ‬شبه‭ ‬عادي‭”‬،‭ ‬بعد‭ ” ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العم‭ ‬سالم‭”‬،‭ ‬دراما‭ ‬تآكل‭ ‬الذاكرة‭ ‬وتهرّمها‭ ‬ومعاناة‭ ‬المحيطين‭ ‬بمن‭ ‬ينجرف‭ ‬وعْيُهُ‭ ‬بسبب‭ ‬موت‭ ‬الخلايا‭ ‬النبيلة‭. ‬واختار‭ ‬أن‭ ‬تدور‭ ‬الوقائع‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬المرض،‭ ‬في‭ ” ‬يوم‭ ‬شبه‭ ‬عادي‭”‬،‭  ‬كأنّه‭ ‬يضعنا‭ ‬على‭ ‬العتبات‭ ‬الأولى‭ ‬لعالم‭ ‬سينهار‭.‬

في‭ ‬الفيلم‭ ‬مساحات‭ ‬كبيرة‭ ‬جدّا‭ ‬من‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬يستغرق‭ ‬فيه‭ ‬توفيق‭ ( ‬قام‭ ‬بالدور‭ ‬رمزي‭ ‬عزّيز‭ ‬برهافة‭ ‬واستبطان‭ ‬عميق‭). ‬وهو‭ ‬صمت‭ ‬ضروري‭ ‬ومقدّمة‭ ‬للهبوط‭ ‬البطيء‭ ‬في‭ ‬جحيم‭ ‬ذاكرة‭ ‬ستبدأ‭ ‬في‭ ‬التآكل‭ ‬وفي‭ ‬سحب‭ ‬صاحبها‭ ‬إلى‭ ‬عوالمه‭ ‬الباطنيّة،‭ ‬منفصلا‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي،‭ ‬وعن‭ ‬قوانينه،‭ ‬وعن‭ ‬صورته‭ ‬فيه،‭ ‬كرجل‭ ‬عاقل‭ ‬له‭ ‬صيته‭ ‬في‭ ‬الحيّ‭ ‬الذّي‭ ‬يسكن‭ ‬فيه‭.‬

في‭ ‬مقابل‭ ‬الصمت‭ ‬الذّي‭ ‬يجذبه‭ ‬كمغناطيس‭ ‬خفيّ،‭ ‬وعدم‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬ابنته‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬التي‭ ‬تستعدّ‭ ‬لزفافها‭ ‬القريب،‭ ‬تبدو‭ ‬الزوجة‭ ‬فطوم‭ (‬قامت‭ ‬بالدور‭ ‬نادرة‭ ‬عاشور‭ ‬باقتصاد‭ ‬بليغ‭)  ‬مسيطرة‭ ‬أكثر‭ ‬ومهيمنة‭. ‬تأمره‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬جاهزا‭ ‬للذهاب‭ ‬لمقابلة‭ ‬الطبيب‭. ‬في‭ ‬المحطّة‭ ‬تتركه‭ ‬للحديث‭ ‬مع‭ ‬المحامي‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬ستّتضح‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬تبدو‭ ‬عنيفة‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الهيمنة‭ ‬خادعة‭ ‬إذ‭ ‬تخفي‭ ‬الحنان‭ ‬وعمق‭ ‬العاطفة‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬نهايات‭ ‬الفيلم‭ ‬وهي‭ ‬تمسح‭ ‬على‭ ‬رأسه‭. ‬وسط‭ ‬وقائع‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬العادي‭ ‬جدّا‭ ‬لزوجين‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬خريف‭ ‬العمر‭ ‬ستبرز‭ ‬دراما‭ ‬الفيلم،‭ ‬مدسوسةً‭ ‬بذكاء،‭ ‬كما‭ ‬شبكة‭ ‬خفيّة‭ ‬يُلقيها‭ ‬القدر‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬الأفراد‭ ‬وزمانهم‭: ‬يُصادف‭ ‬يوم‭ ‬زواج‭ ‬الإبنة‭ ‬سارة‭ ‬يوم‭ ‬جلسة‭ ‬سيحاكمُ‭ ‬فيها‭ ‬الزوج‭ ‬توفيق،‭ ‬المفترض‭ ‬أنّه‭ ‬ربّ‭ ‬أسرة‭ ‬عاقل‭ ‬عادل‭.‬

حين‭ ‬قصدت‭ ‬الزوجة‭ ‬الطبيب‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬نيّتها‭ ‬أنّها‭ ‬ستتدبّر‭ ‬من‭ ‬عنده‭ ‬شهادة‭ ‬طبيّة‭ ‬لتأجيل‭ ‬الجلسة‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مقدورهما‭ ‬التقدم‭ ‬بطلب‭ ‬التأشيرة‭ ‬والذهاب‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭. ‬ولكن‭ ‬الطبيب‭ ‬سيفهم‭ ‬أنّ‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلّق‭ ‬ببدايات‭ ‬فقدان‭ ‬الذاكرة،‭ ‬يشهد‭ ‬عنه‭ ‬بدايات‭  ‬عدم‭ ‬التحكّم‭  ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬العمليّة‭ ( ‬مشهد‭ ‬التبوّل‭ ‬اللاإرادي‭).‬

ثمّة‭ ‬بدايات‭ ‬لأمرٍ‭ ‬مهدّدٍ‭ ‬منذرٍ‭ ‬بالانحدار‭. ‬يستشعر‭ ‬توفيق‭ ‬ذلك‭: ‬في‭ ‬لقطات‭ ‬متواترة‭ ‬تعود‭ ‬باستمرار،‭ ‬كفواصل‭ ‬بين‭ ‬المشاهد،‭ ‬نراه‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬بيته،‭ ‬في‭ ‬إحداها‭ ‬يلتفت‭ ‬كأنّه‭ ‬يتوقّى‭ ‬من‭ ‬اعتداءٍ‭ ‬داهمٍ‭. ‬وتستشعر‭ ‬الزوجة‭ ‬ذلك،‭ ‬وهي‭ ‬تحاول‭ ‬فكّ‭ ‬لغز‭ ‬فضيحة‭ ‬سرقة‭ ‬زوجها‭ ‬توفيق‭ ‬لمجلة‭ ‬بها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الكلمات‭ ‬المتقاطعة‭ ‬من‭ ‬كشك،‭ ‬التّي‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬إرباك‭ ‬لسير‭ ‬الحياة‭ ‬العادي‭.‬

بُنيَ‭ ‬الفيلم‭ ‬كمربّعات‭ ‬متقاطعة،‭ ‬أفقيّا‭ ‬وعموديّا،‭ ‬من‭ ‬العتمة‭ ‬والألوان،‭ ‬الفراغ‭ ‬والامتلاء،‭ ‬السكون‭ ‬والضجيح،‭ ‬الكلام‭ ‬والصمت،‭ ‬القسوة‭ ‬واللين،‭ ‬الهشاشة‭ ‬والقوّة‭. ‬ولعلّ‭ ‬المربّع‭ ‬الأهم‭ ‬فيه‭ ‬الذّي‭ ‬يسائله‭ ‬بلهيبة‭ ‬هو‭ ‬مربّع‭ ‬مواجهة‭ ‬فقدان‭ ‬الكائن‭ ‬لنُبِله‭ ‬حين‭ ‬يشيخ‭.‬

عند‭ ‬هذه‭ ‬البدايات،‭ ‬يقف‭ ‬سليم‭ ‬بلهيبة،‭ ‬كأنّه‭ ‬يرغب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يذهب‭ ‬المرض‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬التهام‭ ‬الذاكرة‭. ‬وبكلّ‭ ‬بساطة،‭ ‬هو‭ ‬يدرك‭ ‬وندرك‭ ‬معه،‭ ‬نحن‭ ‬المحيطين‭ ‬بالمريض‭ ‬ومن‭ ‬عايش‭ ‬تجربة‭ ‬فقدانه‭ ‬التراجيدي‭ ‬للذاكرة،‭ ‬أنّنا‭ ‬لن‭ ‬نستطيع‭ ‬أبدا‭ ‬مجاوزة‭ ‬هذه‭ ‬العتبة‭ ‬التي‭ ‬يعبرها‭ ‬نحو‭ ‬أعماقه‭. ‬نظلّ‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬جميعا،‭ ‬شهودا‭ ‬على‭ ‬أوّل‭ ‬النقصان،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬أوّل‭ ‬البرء‭. ‬

فحين‭ ‬نبقى‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العتبة‭ ‬يُصبح‭ ‬غير‭ ‬المحتمل‭ ‬محتملا،‭ ‬خصوصا‭ ‬حين‭ ‬ندرك،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مكتوب‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الفيلم،‭ ‬أنّهم،‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬سيأكلهم‭ ‬خرف‭ ‬الذاكرة‭ ‬ونعتقد‭ ‬أنّهم‭  ‬فقدوا‭ ‬الاتّصال‭ ‬بنا‭ ‬وبعالمنا‭ ‬وقد‭ ‬غرقوا‭ ‬في‭ ‬ظلمات‭ ‬عوالمهم‭ ‬الداخليّة‭: ” ‬إنّهم‭ ‬بيننا‭ ‬وحولنا‭ ‬كظلّ‭ ‬ناعم‭.. ‬نخطئهم‭ ‬صمتًا‭ ‬ولا‭ ‬ندرك‭ ‬أنّهم‭ ‬يضجّون‭ ‬بالأحاسيس‭”.‬

‭ ‬

‫شاهد أيضًا‬

احتفاء‭ ‬بالذكرى‭ ‬الأولى‭ ‬لرحيله‭ :‬ حسونة‭ ‬المصباحي‭.. ‬عاشق‭ ‬الأدب‭ ‬و‭ ‬الحياة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي في‭ ‬الذكرى‭ ‬الأولى‭ ‬لرحيل‭ ‬الكاتب‭ ‬التونسي‭ ‬الكبير…