2026-06-11

اختتام‭ ‬الدورة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للباكالوريا شبه‭ ‬إجماع‭ ‬على‭ ‬امحاصرة‭ ‬الغشب‭.. ‬وانتظار‭ ‬ثقيل‭ ‬للنتائج

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

أسدل‭ ‬الستار‭ ‬أمس‭ ‬الإربعاء‭ ‬على‭ ‬اختبارات‭ ‬الدورة‭ ‬الرئيسية‭ ‬لامتحان‭ ‬الباكالوريا‭ ‬لسنة‭ ‬2026،‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬الترقب‭ ‬والضغط‭ ‬النفسي‭ ‬عاشها‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المترشحين‭ ‬وعائلاتهم‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جهات‭ ‬البلاد‭. ‬

واختتمت‭ ‬الاختبارات‭ ‬بإجراء‭ ‬امتحان‭ ‬اللغة‭ ‬الإنقليزية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬الشعب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المواد‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬الحصة‭ ‬الثانية،‭ ‬لتنتهي‭ ‬بذلك‭ ‬محطة‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المحطات‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬باعتبارها‭ ‬بوابة‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬ورمزاً‭ ‬لتكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬التونسيين‭.‬

ومثل‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬امتحان‭ ‬الباكالوريا‭ ‬مجرد‭ ‬استحقاق‭ ‬تربوي،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬حدث‭ ‬وطني‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الأبعاد‭ ‬التعليمية‭ ‬والأمنية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬حيث‭ ‬رافقته‭ ‬إجراءات‭ ‬استثنائية‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يشكل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬أمام‭ ‬المنظومة‭ ‬التربوية‭.‬

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬هذه‭ ‬الدورة،‭ ‬وفق‭ ‬الملاحظات‭ ‬الأولية،‭ ‬تراجعاً‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬مظاهر‭ ‬الغش‭ ‬باستعمال‭ ‬الوسائل‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬مؤشراً‭ ‬إيجابياً‭ ‬على‭ ‬نجاعة‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الهياكل‭ ‬المتدخلة‭. ‬كما‭ ‬برز‭ ‬تشديد‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الرقابة‭ ‬داخل‭ ‬مراكز‭ ‬الاختبارات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عمليات‭ ‬التفقد‭ ‬الفجئي‭ ‬التي‭ ‬شملت‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬حالات‭ ‬غش‭ ‬مرتفعة،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬قفصة‭ ‬والقصرين‭ ‬وسيدي‭ ‬بوزيد‭.‬

ويرى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الإطارات‭ ‬التربوية‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬الوقائية‭ ‬بعثت‭ ‬برسالة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الامتحان‭ ‬الوطني‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬فضاءً‭ ‬للاستحقاق‭ ‬والكفاءة،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬التحايل‭ ‬أو‭ ‬المساس‭ ‬بمبدإ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬أثارت‭ ‬إجراءات‭ ‬قطع‭ ‬خدمات‭ ‬الإنترنات‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الرقمية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬إجراء‭ ‬الامتحانات‭ ‬نقاشاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬فبينما‭ ‬اعتبر‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬ضرورية‭ ‬لحماية‭ ‬نزاهة‭ ‬الامتحان‭ ‬والتصدي‭ ‬لشبكات‭ ‬الغش‭ ‬المنظمة،‭ ‬رأى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬تعطيل‭ ‬بعض‭ ‬الخدمات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬ألحق‭ ‬إرباكاً‭ ‬بمصالح‭ ‬المواطنين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬التطبيقات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬معاملاتها‭ ‬اليومية‭.‬

ويجمع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬مصداقية‭ ‬الباكالوريا‭ ‬تبقى‭ ‬أولوية‭ ‬وطنية،‭ ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬الحالية‭ ‬تستدعي‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬التقييم‭ ‬والتطوير‭ ‬حتى‭ ‬يتحقق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬تأمين‭ ‬الامتحان‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الخدمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬والإدارة‭ ‬الإلكترونية‭.‬

أما‭ ‬خارج‭ ‬أسوار‭ ‬المعاهد‭ ‬ومراكز‭ ‬الامتحان،‭ ‬فقد‭ ‬تباينت‭ ‬انطباعات‭ ‬المترشحين‭ ‬حول‭ ‬مستوى‭ ‬الاختبارات‭. ‬إذ‭ ‬قال‭ ‬التلميذ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬مصطفى،‭ ‬وهو‭ ‬مترشح‭ ‬لشعبة‭ ‬العلوم‭ ‬التجريبية‭ ‬بأحد‭ ‬معاهد‭ ‬ولاية‭ ‬بن‭ ‬عروس،‭ ‬إن‭ ‬الامتحانات‭ ‬كانت‭ ‬افي‭ ‬المتناول‭ ‬عموماً،‭ ‬لكن‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬كان‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬الأسئلة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأمنية‭ ‬والادارية‭ ‬المشددةب‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬اعتبرت‭ ‬التلميذة‭ ‬نوال‭ ‬حساني‭ ‬المترشحة‭ ‬لشعبة‭ ‬الآداب،‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الاختبارات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬دقيق‭ ‬ومتوازن،‭ ‬مضيفة‭: ‬االمواد‭ ‬الأدبية،‭ ‬وخاصة‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعربية،‭ ‬تبقى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بطريقة‭ ‬فهم‭ ‬سلم‭ ‬الإصلاح،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬ننتظر‭ ‬النتائج‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الحذرب‭.‬

كما‭ ‬أشار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المترشحين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مواضيع‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬اللغتين‭ ‬الفرنسية‭ ‬والإنقليزية‭ ‬أثارت‭ ‬نقاشات‭ ‬واسعة‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬الامتحان،‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬مناسبة‭ ‬ومن‭ ‬اعتبر‭ ‬أنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬متأنية‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تضيع‭ ‬الأفكار‭ ‬الأساسية‭.‬

من‭ ‬جهتهم،‭ ‬عاش‭ ‬الأولياء‭ ‬الامتحانات‭ ‬بقدر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬عن‭ ‬أبنائهم‭. ‬ويقول‭ ‬أحد‭ ‬الآباء‭: ‬االباكالوريا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ليست‭ ‬امتحان‭ ‬تلميذ‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتحان‭ ‬عائلة‭ ‬كاملة‭. ‬الجميع‭ ‬يغير‭ ‬عاداته‭ ‬اليومية‭ ‬ويعيش‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬المراجعة‭ ‬ومواعيد‭ ‬الاختباراتب‭.‬

أما‭ ‬إحدى‭ ‬الأمهات‭ ‬فأكدت‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يشغلها‭ ‬حالياً‭ ‬ليس‭ ‬الامتحانات‭ ‬التي‭ ‬انتهت،‭ ‬وإنما‭ ‬فترة‭ ‬الانتظار‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج،‭ ‬مضيفة‭: ‬ابعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التعب،‭ ‬نتمنى‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬كل‭ ‬تلميذ‭ ‬ثمرة‭ ‬مجهوده،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬النجاح‭ ‬حليف‭ ‬من‭ ‬اجتهدب‭.‬

الباكالوريا‭ ‬التونسية،‭  ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬مكانتها

وبعيداً‭ ‬عن‭ ‬الأرقام‭ ‬والإحصائيات،‭ ‬تؤكد‭ ‬الدورة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للباكالوريا‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الامتحان‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بمكانته‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬التونسي‭. ‬فهو‭ ‬مناسبة‭ ‬تختلط‭ ‬فيها‭ ‬الأحلام‭ ‬الفردية‭ ‬بالرهان‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬باعتباره‭ ‬رافعة‭ ‬للتنمية‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

ومع‭ ‬انتهاء‭ ‬الاختبارات،‭ ‬يبدأ‭ ‬فصل‭ ‬جديد‭ ‬عنوانه‭ ‬الانتظار‭ ‬والترقب،‭ ‬حيث‭ ‬تتجه‭ ‬أنظار‭ ‬المترشحين‭ ‬وعائلاتهم‭ ‬نحو‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬جوان‭ ‬الجاري،‭ ‬الموعد‭ ‬المنتظر‭ ‬للإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭. ‬وبين‭ ‬التفاؤل‭ ‬والحذر،‭ ‬يبقى‭ ‬الأمل‭ ‬المشترك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬قد‭ ‬كرست‭ ‬قيم‭ ‬النزاهة‭ ‬والاستحقاق،‭ ‬وأن‭ ‬تواصل‭ ‬المدرسة‭ ‬التونسية‭ ‬أداء‭ ‬رسالتها‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬أجيال‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬واحترام‭ ‬القانون،‭ ‬و‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يصبح‭ ‬ممكنا‭ ‬إذا‭ ‬توفرت‭ ‬الإرادة‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬السلبيات‭ ‬وهنا‭ ‬نعني‭ ‬ظاهرة‭ ‬الغش‭ ‬التي‭ ‬مثلت‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬حديث‭ ‬كل‭ ‬المتدخلين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اجراءات‭ ‬تطويقها‭ ‬والحد‭ ‬منها‭ ‬سواء‭ ‬بصرامة‭ ‬العنصر‭ ‬البشري‭ ‬المشرف‭ ‬والمراقب‭ ‬أو‭ ‬كذلك‭ ‬العنصر‭ ‬التقني‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬قطع‭ ‬الأنترنات‭ ‬زمن‭ ‬الاختبارات‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بين‭ ‬مكافحة‭ ‬الغشّ‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الحياة‭ ‬الرقمية‭:‬ هل‭ ‬يدفع‭ ‬المواطن‭ ‬ثمن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬االكيتب‭ ‬؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي تعيش‭ ‬تونس‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬لامتحانات‭ ‬الباكالوريا‭ ‬ع…