“يوم شبه عادي” لسليم بلهيبة في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة بمهرجان روتردام للفيلم العربي: إنـّـهـــم بـيـنــنـــا وحــــولـــــنـــــا كـــظـــــلّ نـــــــاعــــــــــم…
الصحافة اليوم: كمال الهلالي
يشارك الفيلم الروائي القصير ” يوم شبه عادي” للمخرج سليم بلهيبة في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة بمهرجان روتردام للفيلم العربي في دورته السادسة والعشرين التي تلتئم بروتردام من 10 إلى 16 جوان 2026.
ويعرّف المهرجان نفسه على أنّه يحتفي بالثراء والتنوع في العالم العربي. ومن خلال مدّ جسور التواصل بين الثقافات، يوظّف المهرجان قوّة السينما لتقديم رؤى معمّقة ومتعدّدة الأبعاد حول المنطقة العربية الحيوية والمتجدّدة. ويشكل المهرجان منصة نابضة بالحياة للسينما العربية، في هولندا وأوروبا، حيث يعرض أحدث الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة.
ويرسم بلهيبة في شريطه الروائي القصير الثاني ” يوم شبه عادي”، بعد ” في بلاد العم سالم”، دراما تآكل الذاكرة وتهرّمها ومعاناة المحيطين بمن ينجرف وعْيُهُ بسبب موت الخلايا النبيلة. واختار أن تدور الوقائع في بدايات المرض، في ” يوم شبه عادي”، كأنّه يضعنا على العتبات الأولى لعالم سينهار.
في الفيلم مساحات كبيرة جدّا من الصمت الذي يستغرق فيه توفيق ( قام بالدور رمزي عزّيز برهافة واستبطان عميق). وهو صمت ضروري ومقدّمة للهبوط البطيء في جحيم ذاكرة ستبدأ في التآكل وفي سحب صاحبها إلى عوالمه الباطنيّة، منفصلا عن العالم الخارجي، وعن قوانينه، وعن صورته فيه، كرجل عاقل له صيته في الحيّ الذّي يسكن فيه.
في مقابل الصمت الذّي يجذبه كمغناطيس خفيّ، وعدم رغبته في الحديث مع ابنته المقيمة في فرنسا التي تستعدّ لزفافها القريب، تبدو الزوجة فطوم (قامت بالدور نادرة عاشور باقتصاد بليغ) مسيطرة أكثر ومهيمنة. تأمره بأن يكون جاهزا للذهاب لمقابلة الطبيب. في المحطّة تتركه للحديث مع المحامي حول مسألة ستّتضح بعد ذلك. تبدو عنيفة بعض الشيء في التعامل معه ولكن هذه الهيمنة خادعة إذ تخفي الحنان وعمق العاطفة كما نرى ذلك في نهايات الفيلم وهي تمسح على رأسه. وسط وقائع هذا اليوم العادي جدّا لزوجين على مشارف خريف العمر ستبرز دراما الفيلم، مدسوسةً بذكاء، كما شبكة خفيّة يُلقيها القدر في مسارات الأفراد وزمانهم: يُصادف يوم زواج الإبنة سارة يوم جلسة سيحاكمُ فيها الزوج توفيق، المفترض أنّه ربّ أسرة عاقل عادل.
حين قصدت الزوجة الطبيب كان في نيّتها أنّها ستتدبّر من عنده شهادة طبيّة لتأجيل الجلسة حتى يكون في مقدورهما التقدم بطلب التأشيرة والذهاب إلى فرنسا. ولكن الطبيب سيفهم أنّ الأمر يتعلّق ببدايات فقدان الذاكرة، يشهد عنه بدايات عدم التحكّم في الذاكرة العمليّة ( مشهد التبوّل اللاإرادي).
ثمّة بدايات لأمرٍ مهدّدٍ منذرٍ بالانحدار. يستشعر توفيق ذلك: في لقطات متواترة تعود باستمرار، كفواصل بين المشاهد، نراه يمشي في الشارع القريب من بيته، في إحداها يلتفت كأنّه يتوقّى من اعتداءٍ داهمٍ. وتستشعر الزوجة ذلك، وهي تحاول فكّ لغز فضيحة سرقة زوجها توفيق لمجلة بها الكثير من صفحات الكلمات المتقاطعة من كشك، التّي أدّت إلى بداية إرباك لسير الحياة العادي.
بُنيَ الفيلم كمربّعات متقاطعة، أفقيّا وعموديّا، من العتمة والألوان، الفراغ والامتلاء، السكون والضجيح، الكلام والصمت، القسوة واللين، الهشاشة والقوّة. ولعلّ المربّع الأهم فيه الذّي يسائله بلهيبة هو مربّع مواجهة فقدان الكائن لنُبِله حين يشيخ.
عند هذه البدايات، يقف سليم بلهيبة، كأنّه يرغب أن لا يذهب المرض بعيدا في التهام الذاكرة. وبكلّ بساطة، هو يدرك وندرك معه، نحن المحيطين بالمريض ومن عايش تجربة فقدانه التراجيدي للذاكرة، أنّنا لن نستطيع أبدا مجاوزة هذه العتبة التي يعبرها نحو أعماقه. نظلّ في الحالات جميعا، شهودا على أوّل النقصان، وفي ذلك أوّل البرء.
فحين نبقى في تلك العتبة يُصبح غير المحتمل محتملا، خصوصا حين ندرك، كما هو مكتوب في نهاية الفيلم، أنّهم، هؤلاء الذين سيأكلهم خرف الذاكرة ونعتقد أنّهم فقدوا الاتّصال بنا وبعالمنا وقد غرقوا في ظلمات عوالمهم الداخليّة: ” إنّهم بيننا وحولنا كظلّ ناعم.. نخطئهم صمتًا ولا ندرك أنّهم يضجّون بالأحاسيس”.
احتفاء بالذكرى الأولى لرحيله : حسونة المصباحي.. عاشق الأدب و الحياة
الصحافة اليوم: كمال الهلالي في الذكرى الأولى لرحيل الكاتب التونسي الكبير…

