2026-06-24

بعد‭ ‬نجاحه‭ ‬التجاري‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬فيلم‭ ‬إذماب‭…  ‬لمحمد‭ ‬صادق‭ ‬في‭ ‬القاعات‭ ‬التونسية‭: ‬ قصـّـة‭ ‬من‭ ‬سينما‭ ‬التأمل‭ ‬النفسي‭ ‬والغموض‭ ‬المشوّق

الصحافة‭ ‬اليوم‭:    ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

في‭ ‬وقت‭ ‬تبدو‭ ‬فيه‭ ‬السينما‭ ‬العربية،‭ ‬والمصرية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬منشغلة‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬بعيد‭ ‬بأفلام‭ ‬الكوميديا‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬أفلام‭ ‬الحركة‭ ‬ذات‭ ‬الإيقاع‭ ‬السريع،‭ ‬يأتي‭ ‬فيلم‭ ‬اإذماب‭ ‬ليقترح‭ ‬مسارًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التشويق‭ ‬النفسي‭ ‬والأسئلة‭ ‬الوجودية،‭ ‬مستندًا‭ ‬إلى‭ ‬حكاية‭ ‬تبدو‭ ‬بسيطة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬لكنها‭ ‬تنفتح‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬التأويل‭. ‬ومع‭ ‬انطلاق‭ ‬عرضه‭ ‬في‭ ‬القاعات‭ ‬التونسية‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬18‭ ‬جوان‭ ‬الجاري،‭ ‬يجد‭ ‬الجمهور‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأفلام‭ ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬الفضول‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭ ‬السينمائي‭ ‬الحالي‭.‬

الفيلم‭ ‬من‭ ‬تأليف‭ ‬وإخراج‭ ‬محمد‭ ‬صادق،‭ ‬ويؤدي‭ ‬بطولته‭ ‬أحمد‭ ‬داود‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سلمى‭ ‬أبو‭ ‬ضيف‭ ‬وجيسيكا‭ ‬حسام‭ ‬الدين‭ ‬وبسنت‭ ‬شوقي‭. ‬وتدور‭ ‬الأحداث‭ ‬حول‭ ‬اعيسى‭ ‬الشوافب،‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬والثلاثين‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬يعيش‭ ‬حياة‭ ‬تبدو‭ ‬عادية‭ ‬ومستقرة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتلقى‭ ‬رسالة‭ ‬غامضة‭ ‬من‭ ‬نفسه‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الثامنة‭ ‬عشرة‭. ‬تقوده‭ ‬تلك‭ ‬الرسالة‭ ‬إلى‭ ‬لعبة‭ ‬كنز‭ ‬منسية‭ ‬وإلى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬التي‭ ‬ظنّ‭ ‬أنه‭ ‬تجاوزها،‭ ‬لتتحول‭ ‬رحلته‭ ‬إلى‭ ‬بحث‭ ‬مضنٍ‭ ‬عن‭ ‬الذات،‭ ‬وعن‭ ‬الأخطاء‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكفّ‭ ‬عن‭ ‬العودة‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬

من‭ ‬الرّواية‭ ‬إلى‭ ‬الشّاشة

منذ‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭ ‬الدرامية‭ ‬الطريفة،‭ ‬يبني‭ ‬الفيلم‭ ‬عالمه‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المزج‭ ‬بين‭ ‬الواقعي‭ ‬والمتخيَّل،‭ ‬وبين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والحاضر،‭ ‬ليطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬شديد‭ ‬الإنسانية‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬أتيحت‭ ‬لنا‭ ‬فرصة‭ ‬محاورة‭ ‬ذواتنا‭ ‬السابقة؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬للماضي‭ ‬أن‭ ‬يُصلح‭ ‬ما‭ ‬أفسده‭ ‬الزمن؟

لا‭ ‬يُعدّ‭ ‬محمد‭ ‬صادق‭ ‬اسمًا‭ ‬غريبًا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭. ‬فمنذ‭ ‬سنوات‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬بالروايات‭ ‬الرومانسية‭ ‬والنفسية‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬جمهورًا‭ ‬واسعًا‭ ‬بين‭ ‬الشباب،‭ ‬وبعضها‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬سينمائية‭ ‬ناجحة‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬اإذماب‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مشروعه‭ ‬الفني،‭ ‬إذ‭ ‬يبتعد‭ ‬نسبيًا‭ ‬عن‭ ‬الرومانسية‭ ‬التقليدية‭ ‬ليقترب‭ ‬من‭ ‬سينما‭ ‬التأمل‭ ‬النفسي‭ ‬والغموض‭ ‬السردي‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬قد‭ ‬عرفت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬محاولات‭ ‬عديدة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬القوالب‭ ‬المعتادة،‭ ‬فإن‭ ‬اإذماب‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الأولوية‭ ‬للفكرة‭ ‬والسيناريو،‭ ‬ويستثمر‭ ‬في‭ ‬التشويق‭ ‬الذهني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬الاستعراض‭ ‬البصري‭ ‬أو‭ ‬النكات‭ ‬السهلة‭.‬

نجاح‭ ‬جماهيري‭ ‬يؤكد‭ ‬الرهان

لم‭ ‬يقتصر‭ ‬حضور‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬إثارة‭ ‬النقاش‭ ‬النقدي،‭ ‬بل‭ ‬حقق‭ ‬أيضًا‭ ‬نتائج‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬شباك‭ ‬التذاكر‭ ‬المصري‭. ‬فقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬إيراداته‭ ‬23‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭ ‬خلال‭ ‬أسبوعين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬عرضه،‭ ‬مع‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬التذاكر‭ ‬المباعة،‭ ‬ما‭ ‬مكّنه‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬إلى‭ ‬المراكز‭ ‬الأولى‭ ‬بين‭ ‬الأفلام‭ ‬المعروضة‭. ‬

ويبدو‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬دالًا‭ ‬على‭ ‬تحوّل‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬ذائقة‭ ‬الجمهور،‭ ‬إذ‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬المشاهد‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬الترفيه‭ ‬السريع،‭ ‬بل‭ ‬يمكنه‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬أعمال‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬عندما‭ ‬تُقدَّم‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬جذابة‭ ‬ومشوقة

سينما‭ ‬الأسئلة‭ ‬لا‭ ‬سينما‭ ‬الأجوبة

ما‭ ‬يمنح‭ ‬اإذماب‭ ‬خصوصيته‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬حكاية‭ ‬مغامرة‭ ‬أو‭ ‬لغزًا‭ ‬بوليسيًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬التقليدي،‭ ‬بل‭ ‬يضع‭ ‬المشاهد‭ ‬أمام‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالهوية‭ ‬والذاكرة‭ ‬والندم‭ ‬والزمن‭. ‬فالبطل‭ ‬لا‭ ‬يطارد‭ ‬كنزًا‭ ‬ماديًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يطارد‭ ‬أجزاء‭ ‬ضائعة‭ ‬من‭ ‬ذاته‭.‬

وتجعل‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬الفيلم‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الاتجاهات‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬اشتغلت‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الزمن‭ ‬والذاكرة،‭ ‬لكنها‭ ‬تُقدَّم‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬مصرية‭ ‬معاصرة‭ ‬وبحساسية‭ ‬عربية‭ ‬واضحة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬طابعًا‭ ‬خاصًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التقليد‭ ‬أو‭ ‬الاستنساخ‭.‬

إضافة‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬المشهد‭ ‬العربي

قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬اإذماب‭ ‬فيلمًا‭ ‬ثوريًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬الجمالي‭ ‬للكلمة،‭ ‬لكنه‭ ‬يمثل‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬الحيوية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬اليوم‭. ‬فهو‭ ‬يبرهن‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬النجاح‭ ‬الجماهيري‭ ‬والطموح‭ ‬الفني،‭ ‬وبين‭ ‬التشويق‭ ‬التجاري‭ ‬والأسئلة‭ ‬الفكرية‭.‬

ومع‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬القاعات‭ ‬التونسية،‭ ‬يتيح‭ ‬الفيلم‭ ‬فرصة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬وجه‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬الجديدة؛‭ ‬سينما‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬السردي،‭ ‬وعلى‭ ‬شخصيات‭ ‬مأزومة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬خلاصها‭ ‬وسط‭ ‬متاهة‭ ‬الذاكرة‭. ‬لذلك‭ ‬يبدو‭ ‬اإذماب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬فيلم‭ ‬موسم،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭ ‬قادرة،‭ ‬متى‭ ‬امتلكت‭ ‬الجرأة‭ ‬على‭ ‬المغامرة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬مادةً‭ ‬لإعادة‭ ‬اختراع‭ ‬الحاضر‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الدورة‭ ‬الخامسة‭ ‬لمهرجان‭ ‬المسرح‭ ‬والمجتمع‭  ‬في‭ ‬سليانة‭ ‬تحتفي‭ ‬بالمسرح‭ ‬والفنون رهان‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬وجه‭ ‬المدينة‭ ‬بالفن

تتحوّل‭ ‬مدينة‭ ‬سليانة‭ ‬من‭ ‬21‭ ‬إلى‭ ‬28‭ ‬جوان‭ ‬2026،‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬للإبداع…