بعد الارتفاع القياسي لأسعار الأضاحي: الإستعداد المبكّر خطوة مهمة، ويحتاج إصلاحات أعمق
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
أثار الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار أضاحي عيد الأضحى في تونس خلال الموسم الماضي موجة واسعة من التذمر في أوساط المواطنين، بعد أن تجاوزت أسعار العديد من الأضاحي القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الأسر، وتحول اقتناء الأضحية بالنسبة إلى البعض من مناسبة دينية واجتماعية إلى عبء مالي ثقيل.وبينما شرعت الجهات الرسمية مبكراً في الإعداد للموسم المقبل عبر التفكير في ضمان وفرة القطيع وتوفير الظروف الملائمة للأسواق، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يكفي الاستعداد المبكر وحده لخفض الأسعار، أم أن معالجة أسباب الغلاء تتطلب إصلاحاً أعمق لمنظومة إنتاج وتسويق الأغنام؟
لا شك أن التخطيط المبكر يمثل خطوة إيجابية، لأنه يمنح مختلف المتدخلين الوقت الكافي لمتابعة تطور القطيع الوطني، وتقدير الحاجيات، والاستعداد لتوفير الكميات المطلوبة قبل أشهر من حلول العيد. كما يحد من الارتجال الذي كان يطبع بعض المواسم السابقة، ويمنح الإدارة فرصة أفضل لمراقبة مسالك التوزيع والتدخل عند الحاجة.
غير أن التجارب السابقة أثبتت أن وفرة العرض لا تعني بالضرورة انخفاض الأسعار، إذ توجد عوامل أخرى تلعب دوراً أساسياً في تحديد الأسعار، وفي مقدمتها تعدد الوسطاء أو ما يعرف في الأوساط الشعبية بـاالقشّارةب. فالأضحية قد تمر بين أكثر من وسيط قبل أن تصل إلى المستهلك، ويضيف كل واحد منهم هامش ربح جديداً، لترتفع الأسعار تدريجياً دون أن يستفيد المربي الحقيقي إلا بنسبة محدودة من قيمة البيع.
وتؤكد منظمات مهنية وخبراء في الاقتصاد الفلاحي أن تقليص عدد الوسطاء يمثل أحد أهم مفاتيح إصلاح سوق الأضاحي، وذلك عبر دعم البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، وتوسيع نقاط البيع المنظمة، واعتماد منصات رقمية أو فضاءات جهوية تسمح للفلاح بعرض إنتاجه مباشرة، بما يضمن سعراً أكثر إنصافاً للطرفين.
ولا يمكن الحديث عن أسعار الأضاحي دون التطرق إلى معضلة الأعلاف، التي تمثل النسبة الأكبر من كلفة الإنتاج. فقد عانى مربو الماشية خلال السنوات الأخيرة من ارتفاع أسعار الأعلاف وتذبذب توفرها، إلى جانب تأثير سنوات الجفاف المتتالية على المراعي الطبيعية، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الأغنام. لذلك فإن توفير الأعلاف بأسعار معقولة، عبر تدخل الدولة ومختلف الهياكل المختصة، يظل من أهم الإجراءات الكفيلة بتخفيض كلفة الإنتاج والمحافظة على القطيع الوطني.
كما يظل تعديل السوق عند الحاجة خياراً مشروعاً لحماية القدرة الشرائية للمواطن. وقد أثبتت تجارب سابقة أن توريد كميات مدروسة من اللحوم الحمراء أو حتى الأغنام، عندما تستوجب الضرورة ذلك، يمكن أن يساهم في الحد من المضاربة وكبح الارتفاع غير المبرر للأسعار، شريطة أن يتم ذلك وفق رؤية متوازنة لا تضر بالمربي التونسي ولا تؤثر سلباً في استدامة الإنتاج المحلي.
ولا يقل جانب الرقابة أهمية عن بقية الإجراءات. فتكثيف المراقبة الاقتصادية داخل أسواق الماشية، والتصدي للاحتكار والمضاربة، ومراقبة شفافية المعاملات التجارية، كلها عوامل من شأنها الحد من التجاوزات التي تظهر عادة مع اقتراب عيد الأضحى، عندما يرتفع الطلب بشكل كبير.
تجارب تستحق إعادة الإحياء
الحلول الظرفية، مهما كانت أهميتها، تبقى غير كافية إذا لم ترافقها سياسات تنموية طويلة المدى تعيد الاعتبار لتربية الماشية في تونس. ومن بين التجارب التي تستحق إعادة إحيائها مشاريع التنمية المندمجة التي طبقتها بلادنا خلال تسعينات القرن الماضي، والتي أثبتت في سنوات سابقة نجاعتها الاقتصادية والاجتماعية في عدد من الجهات الداخلية.
فقد قامت هذه المشاريع على تمكين صغار الفلاحين والعائلات محدودة الدخل من عدد من رؤوس الأغنام أو الماعز بشروط ميسرة، مع توفير الإحاطة البيطرية والتكوين والمتابعة. ومع مرور السنوات، تمكن العديد من المنتفعين من توسيع القطيع وتحسين مداخيلهم، بل تحول بعضهم إلى منتجين يساهمون في تزويد السوق المحلية، وهو ما انعكس إيجابياً على التشغيل والتنمية الريفية والاستقرار الاجتماعي.
إن إعادة إطلاق مثل هذه البرامج اليوم قد تمثل استثماراً استراتيجياً أكثر منها مجرد دعم اجتماعي، لأنها تساهم في توسيع قاعدة المنتجين، وزيادة القطيع الوطني، والحد من الهجرة الداخلية، وتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي، فضلاً عن خلق ديناميكية اقتصادية داخل المناطق الريفية.
كما أن تشجيع الشباب على بعث مشاريع في تربية الأغنام، مع تسهيل النفاذ إلى التمويل والأراضي والأعلاف، يمكن أن يساهم في تجديد القطاع الذي يعاني من تراجع عدد المربين وتقدم سن نسبة كبيرة منهم.
إن الاستعداد المبكر لموسم الأضاحي المقبل يمثل مؤشراً إيجابياً ورسالة طمأنة للمواطنين، لكنه لن يكون كافياً وحده للقضاء على الغلاء إذا لم يرافقه إصلاح شامل لمنظومة الإنتاج والتوزيع. فخفض الأسعار يتطلب محاصرة الوسطاء غير الضروريين، وتوفير الأعلاف بأسعار مناسبة، وتعديل السوق عند الحاجة، وتعزيز الرقابة، والأهم من ذلك الاستثمار في تنمية الثروة الحيوانية عبر إعادة الاعتبار لمشاريع التنمية المندمجة التي أثبتت نجاحها في الماضي.
فحين يصبح المربي الصغير أكثر قدرة على الإنتاج، وتصبح السوق أكثر شفافية، وتتوفر مستلزمات التربية بأسعار معقولة، يمكن عندها الحديث عن توازن المصالح بين ربح المنتج وحق المواطن في اقتناء اللحوم وأضحيته بسعر عادل، بعيداً عن المضاربة والاحتكار.
لدفع الإستثمار في الجهات: تمويل السياحة البديلة.. رهان جديد لتمكين الشباب
الصحافة اليوم: مصباح الجدي يشهد قطاع السياحة في تونس مرحلة جديدة من …
