2026-06-29

بعد‭ ‬الارتفاع‭ ‬القياسي‭ ‬لأسعار‭ ‬الأضاحي‭:‬ الإستعداد‭ ‬المبكّر‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة،‭ ‬ويحتاج‭ ‬إصلاحات‭ ‬أعمق

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

أثار‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬أسعار‭ ‬أضاحي‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭ ‬الماضي‭ ‬موجة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التذمر‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المواطنين،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجاوزت‭ ‬أسعار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأضاحي‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬لشريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬وتحول‭ ‬اقتناء‭ ‬الأضحية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬دينية‭ ‬واجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬مالي‭ ‬ثقيل‭.‬وبينما‭ ‬شرعت‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬مبكراً‭ ‬في‭ ‬الإعداد‭ ‬للموسم‭ ‬المقبل‭ ‬عبر‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬وفرة‭ ‬القطيع‭ ‬وتوفير‭ ‬الظروف‭ ‬الملائمة‭ ‬للأسواق،‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬نفسه‭ ‬بإلحاح‭: ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬الاستعداد‭ ‬المبكر‭ ‬وحده‭ ‬لخفض‭ ‬الأسعار،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬أسباب‭ ‬الغلاء‭ ‬تتطلب‭ ‬إصلاحاً‭ ‬أعمق‭ ‬لمنظومة‭ ‬إنتاج‭ ‬وتسويق‭ ‬الأغنام؟

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬التخطيط‭ ‬المبكر‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬إيجابية،‭ ‬لأنه‭ ‬يمنح‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لمتابعة‭ ‬تطور‭ ‬القطيع‭ ‬الوطني،‭ ‬وتقدير‭ ‬الحاجيات،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لتوفير‭ ‬الكميات‭ ‬المطلوبة‭ ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬حلول‭ ‬العيد‭. ‬كما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬الارتجال‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يطبع‭ ‬بعض‭ ‬المواسم‭ ‬السابقة،‭ ‬ويمنح‭ ‬الإدارة‭ ‬فرصة‭ ‬أفضل‭ ‬لمراقبة‭ ‬مسالك‭ ‬التوزيع‭ ‬والتدخل‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬وفرة‭ ‬العرض‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬انخفاض‭ ‬الأسعار،‭ ‬إذ‭ ‬توجد‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الأسعار،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬تعدد‭ ‬الوسطاء‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الشعبية‭ ‬بـاالقشّارةب‭. ‬فالأضحية‭ ‬قد‭ ‬تمر‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬وسيط‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك،‭ ‬ويضيف‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬هامش‭ ‬ربح‭ ‬جديداً،‭ ‬لترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬تدريجياً‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستفيد‭ ‬المربي‭ ‬الحقيقي‭ ‬إلا‭ ‬بنسبة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬البيع‭.‬

وتؤكد‭ ‬منظمات‭ ‬مهنية‭ ‬وخبراء‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفلاحي‭ ‬أن‭ ‬تقليص‭ ‬عدد‭ ‬الوسطاء‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مفاتيح‭ ‬إصلاح‭ ‬سوق‭ ‬الأضاحي،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬البيع‭ ‬المباشر‭ ‬من‭ ‬المنتج‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك،‭ ‬وتوسيع‭ ‬نقاط‭ ‬البيع‭ ‬المنظمة،‭ ‬واعتماد‭ ‬منصات‭ ‬رقمية‭ ‬أو‭ ‬فضاءات‭ ‬جهوية‭ ‬تسمح‭ ‬للفلاح‭ ‬بعرض‭ ‬إنتاجه‭ ‬مباشرة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬سعراً‭ ‬أكثر‭ ‬إنصافاً‭ ‬للطرفين‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬دون‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬معضلة‭ ‬الأعلاف،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬النسبة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭. ‬فقد‭ ‬عانى‭ ‬مربو‭ ‬الماشية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأعلاف‭ ‬وتذبذب‭ ‬توفرها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تأثير‭ ‬سنوات‭ ‬الجفاف‭ ‬المتتالية‭ ‬على‭ ‬المراعي‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الأغنام‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬توفير‭ ‬الأعلاف‭ ‬بأسعار‭ ‬معقولة،‭ ‬عبر‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬ومختلف‭ ‬الهياكل‭ ‬المختصة،‭ ‬يظل‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الإجراءات‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتخفيض‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬القطيع‭ ‬الوطني‭.‬

كما‭ ‬يظل‭ ‬تعديل‭ ‬السوق‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬خياراً‭ ‬مشروعاً‭ ‬لحماية‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تجارب‭ ‬سابقة‭ ‬أن‭ ‬توريد‭ ‬كميات‭ ‬مدروسة‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الأغنام،‭ ‬عندما‭ ‬تستوجب‭ ‬الضرورة‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المضاربة‭ ‬وكبح‭ ‬الارتفاع‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬للأسعار،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬ذلك‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬متوازنة‭ ‬لا‭ ‬تضر‭ ‬بالمربي‭ ‬التونسي‭ ‬ولا‭ ‬تؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬في‭ ‬استدامة‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭.‬

ولا‭ ‬يقل‭ ‬جانب‭ ‬الرقابة‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الإجراءات‭. ‬فتكثيف‭ ‬المراقبة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬داخل‭ ‬أسواق‭ ‬الماشية،‭ ‬والتصدي‭ ‬للاحتكار‭ ‬والمضاربة،‭ ‬ومراقبة‭ ‬شفافية‭ ‬المعاملات‭ ‬التجارية،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التجاوزات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬عادة‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬عندما‭ ‬يرتفع‭ ‬الطلب‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭.‬

تجارب‭ ‬تستحق‭ ‬إعادة‭ ‬الإحياء

الحلول‭ ‬الظرفية،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬أهميتها،‭ ‬تبقى‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬ترافقها‭ ‬سياسات‭ ‬تنموية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لتربية‭ ‬الماشية‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬إعادة‭ ‬إحيائها‭ ‬مشاريع‭ ‬التنمية‭ ‬المندمجة‭ ‬التي‭ ‬طبقتها‭ ‬بلادنا‭ ‬خلال‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬والتي‭ ‬أثبتت‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬سابقة‭ ‬نجاعتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الداخلية‭.‬

فقد‭ ‬قامت‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬على‭ ‬تمكين‭ ‬صغار‭ ‬الفلاحين‭ ‬والعائلات‭ ‬محدودة‭ ‬الدخل‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬رؤوس‭ ‬الأغنام‭ ‬أو‭ ‬الماعز‭ ‬بشروط‭ ‬ميسرة،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬الإحاطة‭ ‬البيطرية‭ ‬والتكوين‭ ‬والمتابعة‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات،‭ ‬تمكن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنتفعين‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬القطيع‭ ‬وتحسين‭ ‬مداخيلهم،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬منتجين‭ ‬يساهمون‭ ‬في‭ ‬تزويد‭ ‬السوق‭ ‬المحلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬إيجابياً‭ ‬على‭ ‬التشغيل‭ ‬والتنمية‭ ‬الريفية‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭.‬

إن‭ ‬إعادة‭ ‬إطلاق‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬تمثل‭ ‬استثماراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬مجرد‭ ‬دعم‭ ‬اجتماعي،‭ ‬لأنها‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬المنتجين،‭ ‬وزيادة‭ ‬القطيع‭ ‬الوطني،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الهجرة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬خلق‭ ‬ديناميكية‭ ‬اقتصادية‭ ‬داخل‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تشجيع‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬بعث‭ ‬مشاريع‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الأغنام،‭ ‬مع‭ ‬تسهيل‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬والأراضي‭ ‬والأعلاف،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬القطاع‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬عدد‭ ‬المربين‭ ‬وتقدم‭ ‬سن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬منهم‭.‬

إن‭ ‬الاستعداد‭ ‬المبكر‭ ‬لموسم‭ ‬الأضاحي‭ ‬المقبل‭ ‬يمثل‭ ‬مؤشراً‭ ‬إيجابياً‭ ‬ورسالة‭ ‬طمأنة‭ ‬للمواطنين،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬كافياً‭ ‬وحده‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬الغلاء‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يرافقه‭ ‬إصلاح‭ ‬شامل‭ ‬لمنظومة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتوزيع‭. ‬فخفض‭ ‬الأسعار‭ ‬يتطلب‭ ‬محاصرة‭ ‬الوسطاء‭ ‬غير‭ ‬الضروريين،‭ ‬وتوفير‭ ‬الأعلاف‭ ‬بأسعار‭ ‬مناسبة،‭ ‬وتعديل‭ ‬السوق‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الرقابة،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬الثروة‭ ‬الحيوانية‭ ‬عبر‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمشاريع‭ ‬التنمية‭ ‬المندمجة‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

فحين‭ ‬يصبح‭ ‬المربي‭ ‬الصغير‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتصبح‭ ‬السوق‭ ‬أكثر‭ ‬شفافية،‭ ‬وتتوفر‭ ‬مستلزمات‭ ‬التربية‭ ‬بأسعار‭ ‬معقولة،‭ ‬يمكن‭ ‬عندها‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬توازن‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬ربح‭ ‬المنتج‭ ‬وحق‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬اقتناء‭ ‬اللحوم‭ ‬وأضحيته‭ ‬بسعر‭ ‬عادل،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المضاربة‭ ‬والاحتكار‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

لدفع‭ ‬الإستثمار‭ ‬في‭ ‬الجهات‭:‬ تمويل‭ ‬السياحة‭ ‬البديلة‭.. ‬رهان‭ ‬جديد‭ ‬لتمكين‭ ‬الشباب

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي يشهد‭ ‬قطاع‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬…