الملتقى الثقافي الحرّ بالحمامات: لقاءات حول الأدب والتنوير في ذكرى رحيل”عز الدّين المعروفي”
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
في زمن تتكاثر فيه التظاهرات الثقافية العابرة وتغيب فيه أحيانًا المساحات الحقيقية للنقاش الفكري الجاد، يواصل الملتقى الثقافي الحرّ تأكيد حضوره بوصفه أحد المواعيد الثقافية التي تراهن على الكلمة والمعرفة والحوار. وإنعقد هذا الموعد أمس 26 جوان 2026 في دورته الخامسة، التي تحمل اسم الأديب والمفكر الراحل عزّ الدين المعروفي، لتجمع نخبة من الكتّاب والباحثين والمثقفين في لقاء يحتفي بالفكر الحرّ ويجعل من الثقافة مجالًا للتفاعل الحيّ بين مختلف الأجيال والتجارب.
وإكتست هذه الدورة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الأسماء المشاركة فيها، إذ إستضافت ثلة من الوجوه الفكرية والأدبية المعروفة على الساحة التونسية، من بينهم علياء الحجاجي والجازية الهمامي ولمياء قفناق ونور الهدى باديس وسلوى البحري وعفاف السمعلي وماجدة الظاهري وسوسن العوني وبسمة درويش، وهي أسماء تمثل حقولًا متنوعة من الكتابة والبحث والإبداع، بما يضمن ثراء النقاش وتعدد زوايا النظر إلى القضايا الثقافية والأدبية المطروحة.
الثقافة بوصفها ممارسة حرّة
ما يميز الملتقى الثقافي الحرّ ليس فقط انتظامه واستمراريته، بل الفلسفة التي يقوم عليها منذ تأسيسه. فهو لا يكتفي بعرض التجارب الأدبية أو تقديم الإصدارات الجديدة، بل يسعى إلى خلق فضاء مفتوح للحوار بين المثقف والجمهور، بعيدًا عن الرسميات الثقيلة أو الخطابات الجاهزة. ومن هنا جاءت صفة “الحرّ” التي يحملها الملتقى عنوانًا وشعارًا، باعتبارها إحالة إلى حرية التفكير والتعبير وتبادل الآراء في إطار الاحترام المتبادل والبحث المشترك عن المعرفة.
لقد أصبحت مثل هذه المبادرات ضرورية أكثر من أي وقت مضى، في ظل التحولات العميقة التي يعيشها العالم اليوم، حيث تواجه الثقافة تحديات عديدة تتعلق بتراجع القراءة من جهة، وبهيمنة المحتوى السريع والاستهلاك الرقمي من جهة أخرى. ولذلك فإن تنظيم ملتقيات من هذا النوع يكتسب قيمة مضاعفة، لأنه يعيد الاعتبار للقاء المباشر بين المثقف والمتلقي ويمنح الكلمة فرصة لاستعادة تأثيرها في المجال العام.
وفاء لذاكرة عزّ الدين المعروفي
اختيار اسم الأديب عزّ الدين المعروفي لهذه الدورة ليس مجرد التفاتة رمزية، بل هو تأكيد على أهمية حفظ الذاكرة الثقافية الوطنية وربط الأجيال الجديدة بأسماء ساهمت في إثراء المشهد الفكري والأدبي التونسي. فالثقافة لا تتطور إلا عندما تحافظ على جسورها مع الماضي، وتحوّل رموزها الفكرية إلى مصدر إلهام للحاضر والمستقبل.
ومن هذا المنطلق يبدو الملتقى وكأنه مساحة مزدوجة الوظيفة: فهو من جهة يفتح الباب أمام الأصوات الجديدة والتجارب المعاصرة، ومن جهة أخرى يستعيد أسماء وشخصيات تركت أثرًا في الحياة الثقافية، بما يرسّخ مفهوم الاستمرارية الثقافية ويمنع انقطاع الذاكرة الجماعية.
من التظاهرة إلى المشروع الثقافي
تكمن طرافة الملتقى الثقافي الحرّ في كونه لا يقدّم الثقافة بوصفها احتفالًا مناسباتيًا فحسب، بل بوصفها مشروعًا مجتمعيًا متواصلًا. فنجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس بعدد الحضور أو الجلسات المنظمة فقط، وإنما بقدرتها على خلق تقاليد ثقافية جديدة وتشجيع النقاش الحرّ وإعادة الاعتبار لدور المثقف في الشأن العام.
ومع بلوغه دورته الخامسة، يبدو الملتقى الثقافي الحرّ وكأنه يرسّخ مكانته تدريجيًا ضمن المشهد الثقافي التونسي، باعتباره فضاءً يراهن على الحوار بدل الاستعراض، وعلى المعرفة بدل الضجيج، وعلى بناء جمهور قارئ ومشارك بدل الاكتفاء بجمهور متفرج. وهي رهانات تجعل من موعد 26 جوان أكثر من مجرد تظاهرة ثقافية، بل خطوة جديدة في مسار طويل من الإيمان بأن الثقافة ما تزال قادرة على صناعة المعنى وتوسيع أفق الحرية.
مسرحية اماذا لو؟ب لفتحي العكاري في عرضها الأخير بدار الثقافة ابن رشيق: حين يتحوّل الركح إلى مختبر لكتابة المسرح داخل المسرح
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي في أمسية الخميس 25 جوان، احتضنت دار الثقا…
