2026-07-20

على‭ ‬هامش‭ ‬مشاركة‭ “‬لطفي‭ ‬بوشناق‭” ‬و‭”‬الشاب‭ ‬خالد‭”  ‬حفلة‭ “‬صابر‭ ‬الرّباعي‭”:‬ هــل‭ ‬هـي‭ ‬صـناعة‭ ‬االتــرندب‭ ‬أكـثر‭ ‬مــن‭ ‬خـــدمة‭ ‬المشروع‭ ‬الفني؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬موضة‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬المهرجانات‭ ‬والحفلات‭ ‬الكبرى،‭ ‬كانت‭ ‬مشاركة‭ ‬فنان‭ ‬لفنان‭ ‬آخر‭ ‬فوق‭ ‬الركح‭ ‬حدثًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬تفرضه‭ ‬مناسبة‭ ‬خاصة‭ ‬أو‭ ‬لحظة‭ ‬فنية‭ ‬نادرة‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬دعوة‭ “‬ضيف‭ ‬مفاجأة‭” ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هندسة‭ ‬العرض‭ ‬نفسه،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬الجمهور‭ ‬ينتظر‭ ‬الاسم‭ ‬الذي‭ ‬سيظهر‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينتظر‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭. ‬وقد‭ ‬عاد‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬بقوة‭ ‬إثر‭ ‬حفل‭ ‬افتتاح‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي،‭ ‬عندما‭ ‬اختار‭ ‬صابر‭ ‬الرباعي‭ ‬أن‭ ‬يشاركه‭ ‬السهرة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لطفي‭ ‬بوشناق‭ ‬والشاب‭ ‬خالد‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬الشابة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬قرأها‭ ‬البعض‭ ‬بوصفها‭ ‬تحية‭ ‬للأجيال‭ ‬المختلفة،‭ ‬بينما‭ ‬اعتبرها‭ ‬آخرون‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬تحوّل‭ ‬الحفل‭ ‬إلى‭ ‬فسيفساء‭ ‬من‭ ‬المشاركات‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬عرضًا‭ ‬يحمل‭ ‬توقيع‭ ‬صاحبه‭.‬

يصعب‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬لهذا‭ ‬التقليد‭ ‬وجهاً‭ ‬إيجابياً‭. ‬فالفن،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ليس‭ ‬منافسة‭ ‬رياضية،‭ ‬بل‭ ‬مساحة‭ ‬للتشارك‭ ‬وتبادل‭ ‬الاعتراف‭. ‬حين‭ ‬يدعو‭ ‬فنان‭ ‬نجماً‭ ‬آخر‭ ‬إلى‭ ‬الركح،‭ ‬فإنه‭ ‬يبعث‭ ‬برسالة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالآخرين،‭ ‬وأن‭ ‬المسيرة‭ ‬الفنية‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الإقصاء‭.‬

كما‭ ‬تمنح‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬الجمهور‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬لرؤية‭ ‬أسماء‭ ‬كبيرة‭ ‬تجتمع‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يصنع‭ ‬لحظات‭ ‬استثنائية‭ ‬يصعب‭ ‬تكرارها‭. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬المسارح‭ ‬العالمية‭ ‬والعربية‭ ‬نماذج‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬لأنها‭ ‬تجاوزت‭ ‬حدود‭ ‬الأغنية‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بتاريخ‭ ‬موسيقي‭ ‬كامل‭.‬

ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬يتيح‭ ‬حضور‭ ‬الفنانين‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الأسماء‭ ‬المخضرمة‭ ‬فرصة‭ ‬للتعريف‭ ‬بأصوات‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬واسع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يندرج‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ “‬توريث‭ ‬التجربة‭” ‬وفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬الجيل‭ ‬القادم‭.‬

لكن‭… ‬لمن‭ ‬يعود‭ ‬العرض؟

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يطرح‭ ‬النقاد‭ ‬أسئلة‭ ‬مشروعة‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الجمهور‭ ‬يقتني‭ ‬تذكرته‭ ‬لمشاهدة‭ ‬فنان‭ ‬بعينه،‭ ‬فإلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬المقبول‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬العرض‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المداخلات‭ ‬والضيوف؟

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السّياق‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬المختصين‭ ‬أن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاستضافة‭ ‬قد‭ ‬يكشف،‭ ‬أحياناً،‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬الفنية‭ ‬للعرض،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬محاولة‭ ‬لتعويض‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬عنصر‭ ‬المفاجأة‭ ‬عبر‭ ‬الاستعانة‭ ‬بأسماء‭ ‬أخرى‭ ‬تضمن‭ ‬التفاعل‭ ‬الجماهيري‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الضيف‭ ‬إضافة،‭ ‬يصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الإيقاع‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬منسوب‭ ‬الحماس‭.‬

ويذهب‭ ‬آخرون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬قد‭ ‬تظلم‭ ‬الفنان‭ ‬نفسه،‭ ‬لأن‭ ‬النجاح‭ ‬الذي‭ ‬يحققه‭ ‬الحفل‭ ‬يتوزع‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬أسماء،‭ ‬فلا‭ ‬يعود‭ ‬الجمهور‭ ‬يتذكر‭ ‬هوية‭ ‬العرض‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتذكر‭ ‬قائمة‭ ‬الضيوف‭ ‬الذين‭ ‬صعدوا‭ ‬إلى‭ ‬الخشبة‭.‬

كما‭ ‬يثير‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬سؤالاً‭ ‬آخر‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعدالة‭ ‬الفنية‭. ‬فاختيار‭ ‬الضيوف‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬دائماً‭ ‬لمعايير‭ ‬إبداعية،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تحكمه‭ ‬الصداقات‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬حسابات‭ ‬السوق‭ ‬أو‭ ‬ضرورات‭ ‬الترويج‭ ‬الإعلامي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬رغم‭ ‬استحقاقهم‭.‬

بين‭ ‬الاحتفاء‭ ‬والاستعراض

يميز‭ ‬النقاد‭ ‬عادة‭ ‬بين‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشاركات‭. ‬الأول‭ ‬يأتي‭ ‬منسجماً‭ ‬مع‭ ‬الفكرة‭ ‬الجمالية‭ ‬للعرض،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬حضور‭ ‬الضيف‭ ‬مبرراً‭ ‬درامياً‭ ‬أو‭ ‬موسيقياً،‭ ‬ويضيف‭ ‬معنى‭ ‬جديداً‭ ‬للعمل‭. ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فيتحول‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬استعراض‭ ‬للأسماء،‭ ‬هدفه‭ ‬صناعة‭ “‬الترند‭” ‬وإشعال‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خدمة‭ ‬المشروع‭ ‬الفني‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية‭. ‬فالنجاح‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الفنانين‭ ‬الذين‭ ‬اعتلوا‭ ‬الركح،‭ ‬وإنما‭ ‬بمدى‭ ‬انسجام‭ ‬العرض‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بهويته‭. ‬فالحفل‭ ‬ليس‭ ‬مهرجاناً‭ ‬داخل‭ ‬مهرجان،‭ ‬بل‭ ‬عمل‭ ‬يحمل‭ ‬توقيع‭ ‬صاحبه‭ ‬أولاً‭ ‬وأخيراً‭.‬

حين‭ ‬يصبح‭ ‬التكريم‭ ‬لغة‭ ‬لا‭ ‬وصفة‭ ‬جاهزة

ما‭ ‬فعله‭ ‬صابر‭ ‬الرباعي‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬قرطاج‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬باعتباره‭ ‬تحية‭ ‬لرموز‭ ‬الأغنية‭ ‬التونسية‭ ‬والعربية،‭ ‬ورسالة‭ ‬انفتاح‭ ‬على‭ ‬الأصوات‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهي‭ ‬قراءة‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬يبررها‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬المناسبة‭ ‬الافتتاحية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬ثابتة‭ ‬قد‭ ‬يفقده‭ ‬قيمته‭ ‬الرمزية،‭ ‬لأن‭ ‬أجمل‭ ‬التحايا‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬لا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬وصفة‭ ‬جاهزة‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حفل‭.‬

فالركح،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كثرة‭ ‬الأسماء‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬فنية‭ ‬واضحة‭. ‬وعندما‭ ‬يصبح‭ ‬الضيف‭ ‬ضرورة‭ ‬جمالية،‭ ‬يكون‭ ‬حضوره‭ ‬مكسباً‭ ‬للجميع؛‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لاستعارة‭ ‬البريق،‭ ‬فإن‭ ‬العرض‭ ‬يخسر‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬فرادته،‭ ‬ويغادر‭ ‬الجمهور‭ ‬وهو‭ ‬يتذكر‭ ‬المفاجآت‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتذكر‭ ‬صاحب‭ ‬السهرة‭ ‬نفسه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

السينما‭ ‬التونسية‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬موسم‭ ‬استثنائي من‭ ‬الدراما‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬الرعب‭ ‬والرسوم‭ ‬المتحركة‭… ‬ عشرات‭ ‬المشاريع‭ ‬ترسم‭ ‬ملامح‭ ‬الموسم‭ ‬السينمائي‭ ‬الجديد

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي تبدو‭ ‬السينما‭ ‬التونسية‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أ…