2026-08-04

المتوسط‭ ‬يحترق‭ ‬مجدداً من‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬التغير‭ ‬المناخي؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كريمة‭ ‬دغراش

لم‭ ‬تكن‭ ‬الحرائق‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬ضفتي‭ ‬المتوسط‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬حدثاً‭ ‬استثنائياً‭ ‬أو‭ ‬موسماً‭ ‬عابراً‭ ‬من‭ ‬مواسم‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية،‭ ‬فقد‭ ‬باتت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭. ‬

من‭ ‬اليونان‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬وتونس،‭ ‬تتكرر‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬المشاهد‭ ‬نفسها‭: ‬غابات‭ ‬تلتهمها‭ ‬النيران،‭ ‬قرى‭ ‬تُخلى‭ ‬من‭ ‬سكانها،‭ ‬وخسائر‭ ‬بشرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬موجات‭ ‬حر‭ ‬قياسية‭ ‬وغير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬حوض‭ ‬المتوسط‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬هشاشة‭ ‬أمام‭ ‬تداعيات‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭.‬

لكن‭ ‬خلف‭ ‬صور‭ ‬النيران‭ ‬والدخان‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬عمقاً‭: ‬من‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬الواقع؟

تؤكد‭ ‬التقارير‭ ‬العلمية‭ ‬أن‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الانبعاثات‭ ‬المسببة‭ ‬للاحتباس‭ ‬الحراري‭ ‬جاء‭ ‬تاريخياً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬الشمالية،‭ ‬التي‭ ‬بنت‭ ‬ازدهارها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرنين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬الفحم‭ ‬والنفط‭ ‬والغاز‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬تسهم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬سوى‭ ‬بنسبة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الانبعاثات،‭ ‬لكنها‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬الأولى‭ ‬لمواجهة‭ ‬النتائج‭.‬

وتجسد‭ ‬منطقة‭ ‬شمال‭ ‬افريقيا‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬بوضوح‭. ‬فالدول‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للمتوسط‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬سوى‭ ‬نسبة‭ ‬ضئيلة‭ ‬للغاية‭ ‬من‭ ‬الانبعاثات‭ ‬العالمية،‭ ‬لكنها‭ ‬تواجه‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬آثاراً‭ ‬قاسية‭ ‬للتغير‭ ‬المناخي‭ ‬تشمل‭ ‬الجفاف‭ ‬وندرة‭ ‬المياه‭ ‬والتصحر‭ ‬وحرائق‭ ‬الغابات‭ ‬وارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الحر‭ ‬الشديد‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬الخسائر‭ ‬على‭ ‬البيئة‭ ‬فحسب‭ ‬فالحرائق‭ ‬التي‭ ‬تلتهم‭ ‬الغابات‭ ‬التونسية‭ ‬والجزائرية‭ ‬تدمر‭ ‬موارد‭ ‬رزق‭ ‬آلاف‭ ‬العائلات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬الغابية‭ ‬والزراعة‭ ‬والسياحة‭ ‬البيئية‭. ‬كما‭ ‬تفرض‭ ‬أعباء‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬ميزانيات‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬لتخصيص‭ ‬موارد‭ ‬كبيرة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬توجيهها‭ ‬إلى‭ ‬التنمية‭ ‬والاستثمار‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬االتكيفب‭ ‬وحده‭ ‬كافياً،‭ ‬فالعدالة‭ ‬المناخية‭ ‬هي‭ ‬مطلب‭ ‬مشروع‭ ‬لدول‭ ‬الجنوب‭ ‬وشعوبه‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬حقها‭ ‬أن‭ ‬تطالب‭ ‬بتحميل‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬مسؤولية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬جهود‭ ‬الحماية‭ ‬والتأقلم‭ ‬وتعويض‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬تضرراً‭.‬

يؤكد‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬المنطقة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬الفجوة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬التعهدات‭ ‬والواقع‭. ‬فبينما‭ ‬تتكرر‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الدولية‭ ‬وإعلانات‭ ‬الالتزام‭ ‬بخفض‭ ‬الانبعاثات،‭ ‬تواصل‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬دفع‭ ‬الفاتورة‭ ‬الأكبر‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬جديد،‭ ‬تتحول‭ ‬الغابات‭ ‬المحترقة‭ ‬إلى‭ ‬تذكير‭ ‬مؤلم‭ ‬بحقيقة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الذين‭ ‬ساهموا‭ ‬بأقل‭ ‬قدر‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬المشكلة‭ ‬هم‭ ‬غالباً‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنها‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

من‭ ‬اضربة‭ ‬محدودة‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة هل‭ ‬أخطأ‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬إيران؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كريمة‭ ‬دغراش مع‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬نهاية‭ ‬شهر‭ ‬فيفري‭ ‬ا…