الدورة الأربعون لمهرجان الأدباء الشبان بقليبية : هل كانت تسمية “الأدباء الشبان” فخـّا أم لعنة أم مجرد شعار؟
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
حين يبلغ مهرجان ثقافي دورته الأربعين، فإنّه لا يحتفل بطول العمر فحسب، بل يحتفي أيضا بقدرته على الصمود في وجه التحولات التي عرفها المشهد الثقافي التونسي. وهذا ما ينطبق على المهرجان الوطني للأدباء الشبان بقليبية الذي تنظمه جمعية منارة الأدب، ويعود من 23 إلى 25 جويلية 2026 تحت شعار “جيل التسعينات… دوره في الأدب التونسي: تجربة مجدي بن عيسى نموذجا”، في دورة تحمل اسم الروائي والكاتب مجدي بن عيسى، أحد أبرز الأصوات التي رسخت حضورها منذ تسعينيات القرن الماضي.
برنامج الدورة يبدو وفيا لروح المهرجان التي جمعت، على امتداد أربعة عقود، بين الاحتفاء بالإبداع الجديد وفتح فضاءات الحوار بين الأجيال، من خلال ندوات فكرية وقراءات شعرية وورشات تكوينية ولقاءات مباشرة مع الكتّاب.
افتتاح بين التكريم والقراءات الأدبية
يفترض أن فعاليات اليوم الأول قد انطلقت يوم الخميس 23 جويلية باستقبال لجنة التحكيم والضيوف، ثم زيارة معرض للكتاب وللمعروضات الخاصة بالتراث الفلسطيني، قبل أن يحتضن مسرح الهواء الطلق بالزمن الصافي حفل الافتتاح الرسمي.
ويتضمن الافتتاح كلمة للجهة المنظمة وتقديم أعضاء لجنة التحكيم، إلى جانب كلمة باسم الأدباء الشبان يلقيها الفائز بالجائزة الأولى للدورة السابقة، الكاتب سيرين جنوني، قبل أن تتوالى القراءات الشعرية بمشاركة عبد الرحيم الخصار وجمعة الرفاعي وعز الدين بن محمود ويوسف غفط، لتختتم السهرة بعرض موسيقي.
ورشات في القصة والشعر… واستثمار في المواهب الجديدة
ومن أبرز رهانات الدورة الجديدة استمرار الاهتمام بالتكوين، إذ انطلقت صباح الجمعة أشغال الورشات الأدبية التي ستخصص لفني القصة والشعر، وهي تقليد حافظ عليه المهرجان باعتباره أحد أهم فضاءات اكتشاف الأصوات الجديدة وصقل تجاربها، بعيدا عن منطق المسابقات وحدها.
وتتواصل البرمجة بندوة فكرية بعنوان “جيل التسعينات… دوره في الأدب التونسي: تجربة مجدي بن عيسى نموذجا”، يديرها الباحث عاشور بيوكلة، ويشارك فيها الناقد محمد بنجاح بمداخلة حول تجربة بن عيسى، فيما يتناول الدكتور شفيق الطارقي سؤال “شعراء التسعينات، مأزق التسمية وتجليات الخطاب من خلال نماذج”.
أما السهرة فتخصص لحوار مفتوح مع عدد من الشعراء، من بينهم المنصف الوهايبي وآدم فتحي وزهرة القاضي ونور الدين صمود وصفوان العيسي، بما يمنح المشاركين فرصة نادرة للاحتكاك بأسماء صنعت جزءا مهما من تاريخ الشعر التونسي الحديث.
ويشهد اليوم الثالث مواصلة الورشات، قبل مداولات لجنة التحكيم والإعلان عن النتائج، ثم حفل الاختتام الذي يتضمن توزيع الجوائز والتكريمات، إلى جانب قراءات شعرية ومرافقة موسيقية، في تقليد يجمع بين الاحتفاء بالفائزين والاحتفاء بالأدب نفسه.
”الأدباء الشبان”… تسمية تحتاج إلى مراجعة؟
لكن، وبقدر ما يواصل مهرجان قليبية أداء دوره الثقافي، فإنه يعيد إلى الواجهة سؤالا بات يرافقه منذ سنوات: هل ما تزال تسمية “الأدباء الشبان” مناسبة؟
فاللافت أن كثيرا من الأسماء التي صنعت شهرة هذا المهرجان، والتي لا تزال تشارك في ندواته وتكرّم في دوراته، تجاوزت الخمسين، بل إن عددا منها شارف على الستين أو تجاوزها. لقد ظل هؤلاء، رمزيا على الأقل، يحملون صفة “الشباب”، بينما صار بعضهم من أصحاب التجارب الراسخة.
ربما كانت التسمية، في بدايات المهرجان، تعبيرا عن مشروع ثقافي يهدف إلى احتضان الأصوات الجديدة. غير أنّها تحولت مع مرور الزمن إلى ما يشبه المفارقة؛ إذ بقي الاسم ثابتا بينما تغيّرت الأعمار والأجيال. حتى إن عبارة “الأدباء الشبان” أصبحت أقرب إلى هوية تاريخية للمهرجان منها إلى توصيف حقيقي للمشاركين.
ومع ذلك، فإن هذه “اللعنة الجميلة” لم تنتقص من قيمة المهرجان، بل ربما منحت خريجيه انتماء رمزيا لا يغادرهم. فكل من مرّ من قليبية يظل، في ذاكرة المهرجان، واحدا من “الأدباء الشبان”، حتى وإن غزا الشيب رأسه وأصبح من كبار المشهد الأدبي.
وربما آن الأوان لإعادة التفكير في هذه التسمية، ليس للتخلي عن تاريخها، وإنما لفتحها على أفق أوسع يجعل المهرجان أكثر قدرة على التعبير عن رسالته الحقيقية: احتضان الأدب في مختلف أجياله، مع الحفاظ على دوره الأصيل في اكتشاف الأصوات الجديدة وصناعة مستقبل الكتابة التونسية.
حول برمجة المهرجانات الوطنية والجهوية: مساحات للبهجة والمتعة بأسعار مناسبة
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي مع حلول ذروة الموسم الصيفي، عادت المهرجانات…
