حول برمجة المهرجانات الوطنية والجهوية: مساحات للبهجة والمتعة بأسعار مناسبة
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
مع حلول ذروة الموسم الصيفي، عادت المهرجانات في مختلف جهات الجمهورية لتؤكد أنها ليست مجرد مواعيد فنية عابرة، بل تقليد اجتماعي وثقافي راسخ ينتظره التونسيون من عام إلى آخر. فمن أقصى الشمال إلى الجنوب، ومن المدن الكبرى إلى البلدات الساحلية والداخلية، تنتشر المنصات وتضاء المسارح لتعلن عن موسم تتلاقى فيه الموسيقى والمسرح والسينما والرقص والعروض التراثية، في مشهد يعكس تعطش الجمهور إلى الفرح بعد عام طويل من ضغوط الحياة والعمل.
ويبدو لافتًا هذا العام أن عديد المهرجانات الوطنية والمحلية اجتهدت في صياغة برمجة متوازنة تستجيب لمختلف الشرائح العمرية والأذواق الفنية، بعيدًا عن الرهان على لون موسيقي واحد أو جمهور بعينه.
من قرطاج إلى الأحياء… الثقافة تقترب من جمهورها
لا يزال مهرجان قرطاج الدولي يحتفظ بمكانته بوصفه الواجهة الأبرز للمشهد الثقافي الصيفي، من خلال استضافة أسماء عربية وعالمية إلى جانب الإنتاجات التونسية الكبرى. غير أن الحراك الثقافي لم يعد مقتصرًا على المهرجانات الكبرى، بل امتد إلى عشرات التظاهرات المحلية التي أصبحت تشكل شبكة ثقافية متكاملة تغطي كامل البلاد.
ففي بنزرت ونابل وسوسة والمنستير والمهدية وصفاقس وقفصة والكاف وسليانة وتستور وتوزر وقبلي وجربة وغيرها، تتوالى المهرجانات التي تراوح بين الموسيقى والطرب والمسرح والسينما والشعر والفنون الشعبية، لتمنح كل جهة شخصيتها الثقافية الخاصة، وتجعل من الصيف مناسبة لاكتشاف تنوع المشهد الفني التونسي.
برمجة للجميع… لا للنخبة فقط
ومن أبرز ما يميز برمجة هذا الصيف حرص عدد كبير من الهيئات المنظمة على الجمع بين الفنانين الكبار والأصوات الشابة، وبين الأغنية التونسية والطرب العربي والموسيقى البديلة والراب والجاز والفنون الصوفية والعروض الكوريغرافية، إضافة إلى المسرح والسينما والندوات الفكرية.
فلم تعد المهرجانات تراهن على جمهور واحد، وإنما أصبحت تبحث عن العائلة بأكملها؛ فهناك عروض للأطفال، وسهرات للشباب، وأمسيات لعشاق الطرب، وأخرى للمهتمين بالموسيقى العالمية أو الفنون التراثية.
ولا يعكس هذا التنوع فقط اختلاف الذائقة الفنية لدى الجمهور، بل يعبر أيضًا عن وعي متزايد لدى المنظمين بأن نجاح المهرجان يقاس بقدرته على استقطاب فئات متعددة، لا بعدد النجوم الذين يعتلون ركحه فقط.
المهرجانات المحلية… فرح قريب ومنخفض الكلفة
وإذا كانت المهرجانات الدولية تحظى عادة بالأضواء الإعلامية، فإن المهرجانات المحلية تؤدي دورًا لا يقل أهمية. فهي تمنح سكان المدن والقرى فرصة متابعة عروض فنية دون تكبد عناء التنقل أو ارتفاع أسعار التذاكر، وهو ما يجعلها أكثر قربًا من الحياة اليومية للمواطن. كما أصبحت هذه المهرجانات مناسبة لتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية، إذ تنتعش المقاهي والمطاعم والأسواق والنزل والحرف التقليدية، ويستفيد منها التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة، لتتحول الثقافة إلى رافعة اقتصادية واجتماعية، لا مجرد نشاط ترفيهي.
التونسيون… شعب يعشق السهر والاحتفاء بالحياة
رغم الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، يواصل التونسيون إثبات تعلقهم بالحياة وبالمواعيد الثقافية. فمشاهد الطوابير أمام شبابيك التذاكر، والمدرجات الممتلئة، والعائلات التي تخرج ليلًا لحضور العروض، تؤكد أن الثقافة ما تزال تشكل حاجة إنسانية وليست ترفًا.
فالمهرجان بالنسبة إلى كثيرين ليس مجرد حفلة موسيقية، بل فرصة للقاء الأصدقاء، والتنزه مع الأسرة، واكتشاف فنانين جدد، واستعادة الإحساس بالجماعة في فضاءات مفتوحة تجمع الناس على الفرح بدل الانقسام.
ولعل هذه الروح الاحتفالية هي إحدى السمات التي ميزت المجتمع التونسي عبر عقود، حيث ظل الصيف موسمًا للموسيقى والمسرح والسينما والاحتفال بالحياة، مهما تغيرت الظروف.
الدورة الأربعون لمهرجان الأدباء الشبان بقليبية : هل كانت تسمية “الأدباء الشبان” فخـّا أم لعنة أم مجرد شعار؟
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي حين يبلغ مهرجان ثقافي دورته الأربعين، فإنّه…
