2026-08-04

حول‭ ‬برمجة‭ ‬المهرجانات‭ ‬الوطنية‭ ‬والجهوية‭:‬ مساحات‭ ‬للبهجة‭ ‬والمتعة‭ ‬بأسعار‭ ‬مناسبة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

مع‭ ‬حلول‭ ‬ذروة‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي،‭ ‬عادت‭ ‬المهرجانات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جهات‭ ‬الجمهورية‭ ‬لتؤكد‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مواعيد‭ ‬فنية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬تقليد‭ ‬اجتماعي‭ ‬وثقافي‭ ‬راسخ‭ ‬ينتظره‭ ‬التونسيون‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬فمن‭ ‬أقصى‭ ‬الشمال‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب،‭ ‬ومن‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬البلدات‭ ‬الساحلية‭ ‬والداخلية،‭ ‬تنتشر‭ ‬المنصات‭ ‬وتضاء‭ ‬المسارح‭ ‬لتعلن‭ ‬عن‭ ‬موسم‭ ‬تتلاقى‭ ‬فيه‭ ‬الموسيقى‭ ‬والمسرح‭ ‬والسينما‭ ‬والرقص‭ ‬والعروض‭ ‬التراثية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬تعطش‭ ‬الجمهور‭ ‬إلى‭ ‬الفرح‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬الحياة‭ ‬والعمل‭.‬

ويبدو‭ ‬لافتًا‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أن‭ ‬عديد‭ ‬المهرجانات‭ ‬الوطنية‭ ‬والمحلية‭ ‬اجتهدت‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬برمجة‭ ‬متوازنة‭ ‬تستجيب‭ ‬لمختلف‭ ‬الشرائح‭ ‬العمرية‭ ‬والأذواق‭ ‬الفنية،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬لون‭ ‬موسيقي‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬جمهور‭ ‬بعينه‭.‬

من‭ ‬قرطاج‭ ‬إلى‭ ‬الأحياء‭… ‬الثقافة‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬جمهورها

لا‭ ‬يزال‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬يحتفظ‭ ‬بمكانته‭ ‬بوصفه‭ ‬الواجهة‭ ‬الأبرز‭ ‬للمشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬الصيفي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استضافة‭ ‬أسماء‭ ‬عربية‭ ‬وعالمية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الإنتاجات‭ ‬التونسية‭ ‬الكبرى‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحراك‭ ‬الثقافي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬المهرجانات‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬التظاهرات‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تشكل‭ ‬شبكة‭ ‬ثقافية‭ ‬متكاملة‭ ‬تغطي‭ ‬كامل‭ ‬البلاد‭.‬

ففي‭ ‬بنزرت‭ ‬ونابل‭ ‬وسوسة‭ ‬والمنستير‭ ‬والمهدية‭ ‬وصفاقس‭ ‬وقفصة‭ ‬والكاف‭ ‬وسليانة‭ ‬وتستور‭ ‬وتوزر‭ ‬وقبلي‭ ‬وجربة‭ ‬وغيرها،‭ ‬تتوالى‭ ‬المهرجانات‭ ‬التي‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬الموسيقى‭ ‬والطرب‭ ‬والمسرح‭ ‬والسينما‭ ‬والشعر‭ ‬والفنون‭ ‬الشعبية،‭ ‬لتمنح‭ ‬كل‭ ‬جهة‭ ‬شخصيتها‭ ‬الثقافية‭ ‬الخاصة،‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬الصيف‭ ‬مناسبة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬تنوع‭ ‬المشهد‭ ‬الفني‭ ‬التونسي‭.‬

برمجة‭ ‬للجميع‭… ‬لا‭ ‬للنخبة‭ ‬فقط

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬برمجة‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬حرص‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الهيئات‭ ‬المنظمة‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الفنانين‭ ‬الكبار‭ ‬والأصوات‭ ‬الشابة،‭ ‬وبين‭ ‬الأغنية‭ ‬التونسية‭ ‬والطرب‭ ‬العربي‭ ‬والموسيقى‭ ‬البديلة‭ ‬والراب‭ ‬والجاز‭ ‬والفنون‭ ‬الصوفية‭ ‬والعروض‭ ‬الكوريغرافية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما‭ ‬والندوات‭ ‬الفكرية‭.‬

فلم‭ ‬تعد‭ ‬المهرجانات‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬جمهور‭ ‬واحد،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬العائلة‭ ‬بأكملها؛‭ ‬فهناك‭ ‬عروض‭ ‬للأطفال،‭ ‬وسهرات‭ ‬للشباب،‭ ‬وأمسيات‭ ‬لعشاق‭ ‬الطرب،‭ ‬وأخرى‭ ‬للمهتمين‭ ‬بالموسيقى‭ ‬العالمية‭ ‬أو‭ ‬الفنون‭ ‬التراثية‭.‬

ولا‭ ‬يعكس‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬فقط‭ ‬اختلاف‭ ‬الذائقة‭ ‬الفنية‭ ‬لدى‭ ‬الجمهور،‭ ‬بل‭ ‬يعبر‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬متزايد‭ ‬لدى‭ ‬المنظمين‭ ‬بأن‭ ‬نجاح‭ ‬المهرجان‭ ‬يقاس‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬فئات‭ ‬متعددة،‭ ‬لا‭ ‬بعدد‭ ‬النجوم‭ ‬الذين‭ ‬يعتلون‭ ‬ركحه‭ ‬فقط‭.‬

المهرجانات‭ ‬المحلية‭… ‬فرح‭ ‬قريب‭ ‬ومنخفض‭ ‬الكلفة

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المهرجانات‭ ‬الدولية‭ ‬تحظى‭ ‬عادة‭ ‬بالأضواء‭ ‬الإعلامية،‭ ‬فإن‭ ‬المهرجانات‭ ‬المحلية‭ ‬تؤدي‭ ‬دورًا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭. ‬فهي‭ ‬تمنح‭ ‬سكان‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬فرصة‭ ‬متابعة‭ ‬عروض‭ ‬فنية‭ ‬دون‭ ‬تكبد‭ ‬عناء‭ ‬التنقل‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬التذاكر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬قربًا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطن‭. ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬المهرجانات‭ ‬مناسبة‭ ‬لتنشيط‭ ‬الحركة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحلية،‭ ‬إذ‭ ‬تنتعش‭ ‬المقاهي‭ ‬والمطاعم‭ ‬والأسواق‭ ‬والنزل‭ ‬والحرف‭ ‬التقليدية،‭ ‬ويستفيد‭ ‬منها‭ ‬التجار‭ ‬وأصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة،‭ ‬لتتحول‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬رافعة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬ترفيهي‭.‬

التونسيون‭… ‬شعب‭ ‬يعشق‭ ‬السهر‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بالحياة

رغم‭ ‬الصعوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬البلاد،‭ ‬يواصل‭ ‬التونسيون‭ ‬إثبات‭ ‬تعلقهم‭ ‬بالحياة‭ ‬وبالمواعيد‭ ‬الثقافية‭. ‬فمشاهد‭ ‬الطوابير‭ ‬أمام‭ ‬شبابيك‭ ‬التذاكر،‭ ‬والمدرجات‭ ‬الممتلئة،‭ ‬والعائلات‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬ليلًا‭ ‬لحضور‭ ‬العروض،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬حاجة‭ ‬إنسانية‭ ‬وليست‭ ‬ترفًا‭.‬

فالمهرجان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كثيرين‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حفلة‭ ‬موسيقية،‭ ‬بل‭ ‬فرصة‭ ‬للقاء‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬والتنزه‭ ‬مع‭ ‬الأسرة،‭ ‬واكتشاف‭ ‬فنانين‭ ‬جدد،‭ ‬واستعادة‭ ‬الإحساس‭ ‬بالجماعة‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬مفتوحة‭ ‬تجمع‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬الفرح‭ ‬بدل‭ ‬الانقسام‭.‬

ولعل‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬الاحتفالية‭ ‬هي‭ ‬إحدى‭ ‬السمات‭ ‬التي‭ ‬ميزت‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬عبر‭ ‬عقود،‭ ‬حيث‭ ‬ظل‭ ‬الصيف‭ ‬موسمًا‭ ‬للموسيقى‭ ‬والمسرح‭ ‬والسينما‭ ‬والاحتفال‭ ‬بالحياة،‭ ‬مهما‭ ‬تغيرت‭ ‬الظروف‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الدورة‭ ‬الأربعون‭ ‬لمهرجان‭ ‬الأدباء‭ ‬الشبان‭ ‬بقليبية‭ :‬ هل‭ ‬كانت‭ ‬تسمية‭ “‬الأدباء‭ ‬الشبان‭” ‬فخـّا‭ ‬أم‭ ‬لعنة‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬شعار؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي حين‭ ‬يبلغ‭ ‬مهرجان‭ ‬ثقافي‭ ‬دورته‭ ‬الأربعين،‭ ‬فإنّه…