على هامش دعوة الفنانة الكبيرة “ميادة الحناوي” إلى مهرجان قرطاج: هــل يـتـخـفّـى الاسـتـثـمـــار الـتـجــاري وراء الــتــكــــريــــــــم؟
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
أعاد الإعلان عن استضافة الفنانة ميادة الحناوي في الدورة الحالية لمهرجان قرطاج الدولي فتح ملف ظل يطل برأسه كلما اعتلى أحد عمالقة الغناء العربي المسرح في السنوات الأخيرة من عمره الفني. فمنذ سنوات ينقسم الرأي العام بين من يرى في هذه الدعوات اعترافًا بجميل الفنانين الكبار وتكريمًا لمسيرتهم، وبين من يعتبرها شكلًا من أشكال استنزاف ما تبقى من رصيدهم الفني والإنساني، عبر وضعهم في مواجهة جمهور يقارن، من حيث لا يشعر، بين صوت الأمس وصوت اليوم.
ولا يتعلق الأمر بميادة الحناوي في حد ذاتها، فهي صاحبة تجربة استثنائية وأحد أهم الأصوات التي عرفتها الأغنية العربية الحديثة، وإنما بالسؤال الذي يفرض نفسه كل مرة: متى يتحول التكريم إلى عبء؟ ومتى يصبح الحب الذي يكنه الجمهور لفنانه سببًا في تعريضه إلى لحظات لا تليق بتاريخه؟
الجمهور يشتري ذاكرته قبل أن يشتري التذكرة
لا يدخل المتفرج إلى المسرح ليستمع إلى أغنية فقط، بل يدخل محمّلًا بصورة قديمة للفنان. يأتي وهو يبحث عن ذلك الصوت الذي رافقه في شبابه، وعن الهيبة التي صنعتها عشرات الحفلات والتسجيلات الخالدة.
لكن الزمن لا يرحم أحدًا. فالحنجرة تضعف، والنفس يقصر، والجسد يفقد شيئًا من توازنه. وعندما يجد الفنان نفسه عاجزًا عن مجاراة الصورة التي صنعها بنفسه، يتحول الحفل إلى مواجهة غير عادلة بين الإنسان والزمن. وحينها لا يخسر الفنان وحده، بل يخسر الجمهور أيضًا، لأنه يغادر وفي قلبه شيء من الأسى على أسطورة كان يفضل أن تبقى محفوظة في أجمل صورها.
وردة ونجاة… درسان لم نتعلم منهما
لا تزال الذاكرة الثقافية العربية تحتفظ بالمشهد المؤلم الذي عاشه جمهور مهرجان قرطاج مع الراحلة وردة الجزائرية عندما أنهكها التعب على الركح وكادت تنهار أمام الآلاف من محبيها. لم يكن المشهد يليق بتاريخ صاحبة “بتونس بيك”، بقدر ما كشف عن القسوة التي قد تمارسها المسارح أحيانًا على أصحابها.
وتكرر المشهد بصورة مختلفة مع الفنانة نجاة الصغيرة في إحدى حفلاتها الخليجية بعد سنوات طويلة من الغياب. جاء الجمهور مدفوعًا بالحنين، لكنه وجد الزمن قد ترك بصمته على الأداء والحركة، فتحولت الأمسية إلى لحظة امتزج فيها التصفيق بالمواساة أكثر من الاحتفاء.
ولا تنتقص هذه الوقائع من قيمة الفنانتين، بل تطرح سؤالًا أخلاقيًا حول من يقرر عودتهما، ولماذا؟
ليس الفنان وحده من يتخذ القرار
قد يبدو للوهلة الأولى أن الفنان هو صاحب القرار، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فحول كل نجم كبير شبكة كاملة من المصالح لا ترى في عودته إلى المسرح سوى فرصة اقتصادية جديدة.
هناك أفراد من العائلة يعتمدون، أحيانًا، على استمرار الحفلات كمصدر دخل. وهناك وكلاء أعمال ومنتجون ومنظمو مهرجانات ومتعهدو حفلات يدركون أن اسمًا كبيرًا، مهما تقدمت به السن، ما يزال قادرًا على بيع آلاف التذاكر. وفي كثير من الحالات يصبح الرصيد الرمزي للفنان سلعة تدر الأرباح على الجميع، باستثناء الفنان نفسه الذي يدفع من صورته ومن هيبته ثمن ذلك النجاح التجاري.
ولا يمكن التعميم أو اتهام الجميع بسوء النية، لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن اقتصاد الحنين أصبح صناعة قائمة بذاتها، تستثمر في أسماء صنعت مجدها منذ عقود، لأن السوق يعرف أن الجمهور سيشتري الذكرى قبل أن يشتري العرض.
المهرجانات مسؤولة أيضًا
ليست المهرجانات مجرد فضاءات للفرجة، بل هي مؤسسات ثقافية يفترض أن تحمي القيمة الرمزية للفنانين الذين تستضيفهم. ومن هنا فإن التكريم لا ينبغي أن يختزل في حفل غنائي كامل، خاصة عندما يصبح الأداء عبئًا على صاحبه.
وثمة بدائل أكثر رقيًا واحترامًا ومنها أمسيات احتفائية، لقاءات مع الجمهور، عروض وثائقية، شهادات من رفاق المسيرة، أو مشاركة رمزية ومدروسة تليق بالمكانة الفنية، دون أن تضع الفنان في سباق خاسر مع شبابه.
حق الفنان أن يغادر واقفًا
في الرياضة، يعرف الأبطال أن الاعتزال في اللحظة المناسبة يحفظ تاريخهم. أما في الفن العربي، فما زلنا نعتقد أن التصفيق وحده يكفي لتبرير استمرار الصعود إلى المسرح، حتى عندما يصبح الجسد أضعف من أن يحمل الأسطورة.
ولعل دعوة ميادة الحناوي إلى قرطاج تعيد فتح هذا النقاش الضروري، ليس لأن مكانتها موضع شك، بل لأنها مناسبة للتفكير في معنى التكريم نفسه. فليس كل ظهور احتفاءً، وليس كل عودة انتصارًا.
أحيانًا، يكون أسمى أشكال الوفاء للفنان الكبير أن نحمي صورته من الاستهلاك، وأن نتركه يغادر المسرح مرفوع الرأس، قبل أن يتحول التصفيق الذي يستحقه إلى تصفيق مشوب بالشفقة، أو أن يصبح الحنين، الذي كان يومًا أجمل ما يربط الجمهور بنجومه، مجرد تجارة تدر الأرباح على آخرين، بينما يدفع الفنان وحده ثمنها من رصيده ومن كرامة تاريخه.
الدورة الأربعون لمهرجان الأدباء الشبان بقليبية : هل كانت تسمية “الأدباء الشبان” فخـّا أم لعنة أم مجرد شعار؟
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي حين يبلغ مهرجان ثقافي دورته الأربعين، فإنّه…
