حين تتحوّل العضوية إلى نفوذ رقمي: تونس تكتب موقعها في إفريقيا الجديدة
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
لا تقاس أهمية بعض الأخبار بما تتضمنه من نتائج انتخابية أو بروتوكولية، وإنما بما تفتحه من آفاق استراتيجية. ومن هذا المنطلق، فإن انتخاب تونس لعهدة جديدة في مجلس إدارة الاتحاد الإفريقي للاتصالات للفترة 2030-2027 لا يمثل مجرد نجاح دبلوماسي جديد، بل يعكس تحولا أعمق يتعلق بالمكانة التي تسعى تونس إلى ترسيخها داخل القارة الإفريقية، في مرحلة أصبحت فيها السيطرة على التكنولوجيا، والبيانات، والبنية الرقمية، جزءا من معادلات القوة والنفوذ في العالم.
ويأتي انتخاب تونس ليؤكد أن حضورها داخل الفضاء الإفريقي لم يعد مقتصرا على علاقات دبلوماسية أو تعاون ثنائي، وإنما أصبح يمتد إلى المساهمة في صياغة السياسات الرقمية للقارة، والمشاركة في رسم مستقبل الاتصالات، وتوجيه أولويات التحول الرقمي، وبناء بيئة إفريقية أكثر قدرة على مواجهة تحديات الثورة التكنولوجية.
فالتحول الرقمي لم يعد قضية تقنية تخص المهندسين أو شركات البرمجيات، بل أصبح قضية سيادة وطنية وتنمية اقتصادية وأمن قومي. والدول التي تملك القدرة على التأثير في السياسات الرقمية الإقليمية ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتطوير منظوماتها التكنولوجية، والدفاع عن مصالحها في عالم أصبحت فيه البيانات موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الطاقة أو الموارد الطبيعية.
ومن هنا تكتسب عضوية تونس في مجلس إدارة الاتحاد الإفريقي للاتصالات بعدا يتجاوز التمثيل الرمزي. فهي تمنحها فرصة للمشاركة في وضع التصورات المتعلقة بالبنية التحتية الرقمية للقارة، وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي، وتطوير التشريعات المنظمة للاتصالات، والمساهمة في بلورة سياسات مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وبناء القدرات البشرية.
ولا تبدو هذه العضوية معزولة عن التوجه العام الذي تبنته تونس خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت البلاد حراكا متزايدا في ملفات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، سواء من خلال تطوير الخدمات العمومية الرقمية، أو إطلاق مشاريع المستشفى الرقمي، أو رقمنة الإدارة، أو استضافة مؤتمرات وقمم متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إضافة إلى إعلان توجهات وطنية لتعزيز السيادة الرقمية ضمن مخطط التنمية للفترة 2026-2030. ولذلك فإن هذا الانتخاب يمثل امتدادا طبيعيا لمسار تسعى تونس من خلاله إلى تثبيت حضورها كفاعل رقمي داخل محيطها الإفريقي.
ولعلّ أكثر ما يمنح هذا الحضور قيمته هو أن القارة الإفريقية نفسها تعيش مرحلة إعادة تشكيل رقمية شاملة. فملايين الشباب يدخلون سوق الاقتصاد الرقمي، والاستثمارات في شبكات الاتصالات تتزايد، والخدمات الحكومية الإلكترونية تتوسع، فيما تتسابق الدول لبناء منظوماتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. غير أن هذا التحول يواجه في المقابل تحديات كبيرة، تتمثل في الفجوة الرقمية، وضعف البنية التحتية في بعض المناطق، ونقص الكفاءات، وارتفاع مخاطر الجرائم الإلكترونية، وتزايد المنافسة الدولية على الأسواق والبيانات الإفريقية.
وفي مثل هذا السياق، تصبح الحاجة إلى تعاون إفريقي حقيقي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالأمن السيبراني لا يمكن أن يبقى شأنا وطنيا صرفا، لأن الهجمات الإلكترونية لا تعترف بالحدود، كما أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى أطر قانونية وأخلاقية مشتركة تضمن حماية الحقوق وتعزز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا. وهنا تستطيع تونس، بما راكمته من خبرات مؤسساتية وكفاءات علمية، أن تلعب دورا مهما في تقريب وجهات النظر، والمساهمة في صياغة حلول إفريقية تنطلق من احتياجات القارة لا من نماذج مستوردة.
كما أن هذه العضوية تفتح لتونس فرصا اقتصادية لا تقل أهمية عن بعدها السياسي. فالوجود داخل دوائر صنع القرار الرقمي يسهل بناء الشراكات مع المؤسسات الإفريقية والدولية، ويمنح الشركات التونسية العاملة في مجالات البرمجيات والاتصالات والخدمات الرقمية فرصا أوسع للانفتاح على الأسواق الإفريقية، كما يعزز فرص الجامعات ومراكز البحث للمشاركة في البرامج القارية الخاصة بالابتكار والتكوين ونقل التكنولوجيا.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا الحضور يعزز صورة تونس كبلد يمتلك رأس مال بشريا مؤهلا في مجالات التكنولوجيا والاتصالات. فالاستثمار الحقيقي في العصر الرقمي لا يقوم فقط على الأبراج والشبكات، بل يقوم أساسا على الكفاءات القادرة على الابتكار والإبداع. وقد أثبتت التجربة التونسية أن المهندس والباحث ورائد الأعمال التونسي قادرون على المنافسة إقليميا ودوليا متى توفرت البيئة الداعمة والفرص المناسبة.
غير أن المحافظة على هذا الموقع تتطلب مواصلة الإصلاحات الداخلية بالنسق نفسه. فلا يمكن لتونس أن تؤثر في مستقبل التحول الرقمي الإفريقي إذا لم تواصل تحديث بنيتها التحتية الرقمية، وتطوير تشريعاتها، وتعزيز أمنها السيبراني، وتسريع رقمنة الخدمات العمومية، وتشجيع الشركات الناشئة، وربط البحث العلمي بالاقتصاد الرقمي. فالمصداقية الخارجية تبدأ دائما من النجاح الداخلي.
إن انتخاب تونس لعضوية مجلس إدارة الاتحاد الإفريقي للاتصالات ليس نهاية مسار، بل بداية مسؤولية جديدة. فهو يمنحها فرصة للمشاركة في رسم ملامح إفريقيا الرقمية، لكنه يضعها أيضا أمام تحدّي تحويل هذا الحضور إلى مشاريع وشراكات ومبادرات ملموسة تعود بالنفع على البلاد والقارة معا.
لقد أصبحت المنافسة بين الدول تدور، أكثر من أي وقت مضى، حول من يمتلك المعرفة، ومن يدير البيانات، ومن يصوغ قواعد التكنولوجيا المقبلة. وفي هذا العالم الجديد، لا يكفي أن تكون تونس متلقية للتحولات الرقمية، بل عليها أن تكون شريكة في صناعتها. ومن هنا تكتسب هذه العضوية معناها الحقيقي؛ فهي ليست مقعدا في مجلس إدارة فحسب، بل نافذة استراتيجية تطلّ منها تونس على إفريقيا المستقبل، إفريقيا التي لن تُبنى فقط بالطرقات والموانئ، وإنما أيضا بالشبكات الذكية، والاتصالات الآمنة، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على تحويل المعرفة إلى قوة تنموية وسيادية تخدم شعوب القارة بأسرها.
تونس توفي بتعهداتها إزاء الدوائر المالية ديون تونس نافذة نحو مزيد الإستثمار
الصحافة اليوم: عادل البرينصي هناك فرق كبير بين أن تكون دولة قادرة عل…
